عاجل
رئيس مجلس الوزراء يصدر قراراً بتكليف المهندس عمر الكناني مديراً عاماً للموارد المائية

 الوحدة أونلاين - رنا عمران -
لم تعد مهمّة الدين الحديث سوى تهذيب عادات الإيمان التقليديّة بتبيان حريّة استخدامها في عالم الوجود الإنساني من جهة، وتطويعها براغماتيّاً لتحقيق السعادة للأفراد من جهةٍ أخرى، فالدين لا يكون ديناً إلّا إذا صَلُحَ أداةً ووسيلةً، ونقصد بالوسيلة تلك الصلة البراغماتيّة بين الدين وغايته، وتتضِّح هذه الصلة عبر توازن الفرد بين تضامنه اجتماعيّاً، وبين حفاظه على كينونته الدينيّة باعتبارها حالةً فرديّةً خاصّةً تُحرِّكُها الرغبة والحريّة، تلك هي المفاهيم التّي وُلِدت من رحم عصر ما بعد الحداثة، الذّي ابتعد عن الثابت وسقط في أحضان المُتغَيِّر. جاء هذا في بحث الطالبة هبة محمد ملّاح الذي أعدته لنيل درجة الماجستير في قسم الفلسفة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بعنوان: التصور الحديث للدين عند رورتي.
وانطلاقاً من انزياح الدين من المجال الأحديّ إلى المجال التعدُّديّ، نجد أنّ الفلسفة البراغماتيّة قد مارست نقداً تاريخيّاً لنظريّات المعرفة السابقة عليها، بالشكل الذي يلفت الانتباه إلى منبع أخطائها. ولهذا تجلّت نيو براغماتيّة رورتي بشكلٍ واضح من خلال توظيف رؤيته النفعيّةِ للدين في خدمة فلسفته، فالفكرُ الفلسفيُّ المعاصرُ لا يبتعدُ عن المساهمةِ في إعادة ترتيب نسيج المعتقدات الخاصّة بالأفراد، ويتجلّى ذلك من خلال تأسيس المجتمع الأمريكي على أرضيّةٍ ليبراليّةٍ تستلزمُ كسرَ أغلال الدين التقليدي، ومن ثمّ إخضاعه لمقتضى الحياة الاجتماعيّة من منظورٍ نيو براغماتيٍّ هرمونطيقيٍّ،إذ تخرجهُ من عالم الطوباويّات والمثاليّات وتضعه في رحاب العالم المعيش. إنّه العالم الذي تعقّد فيه الشعور بالهويّة، حتّىإنّ هذه الأخيرة أخذت تُراوِغ بين تموضعها الديني تارةً والمجتمعيّ تارة أخرى، ممّا يكشف عن تعرُّض قضايا مثل الهويّة والانتماء للوطن لامتحاناتٍ صعبةٍ ومتكرِّرة أيضاً، يبقى نجاحها مرهوناً بقدرة الفرد على قياس انتمائه للمجتمع الليبراليّ الديمقراطيّ، وإنّ تحقيق الفرد لهويّته الثقافيّة الاجتماعيّة يُصبحُ معياراً لتقنين دور الدين، ونقله إلى مكانه الصحيح في عمق الوعي الفردي.وتوقفنا عند قضايا عدة في البحث .
أجابت الطالبة من خلال أهداف بحثها عن الأسئلة الآتية:
-ما هو مفهوم الدين المسيحي عند كلّ من كيركيجارد ونيتشه وتيليتش وديوي؟ وبماذا اختلفت معالجتهم للدين عن معالجة رورتي له؟
-ما هو الدور الذّي لعبه الإلحاد الرومانسيّ في تصوّر الدين عند رورتي؟
-ما هي القفزة والتجاوز النيو براغماتيّة التي حقّقها رورتي في الساحة الدينيّة؟
-كيف قدّم رورتي الله بوصفه أملاً وليس معرفة؟ وما هو الفرق بينهما؟
-ما هي الصفات التّي استبدلها رورتي بالصفات التقليديّة للدين؟ وهل استطاع نقل الدين إلى المكان الذّي لم يَعُد فيه ديناً؟ هل أوقع الدين في مصيدة اغترابه؟
-ما هي الغاية النيو براغماتيّة التّي يرسمها رورتي من خلال تصوّره الحديث للدين؟ وهل نجح عبر لغة التأويل الهرمونطيقي من توصيف الثالوث الاجتماعي المُتمثِّل بالليبراليّة والعلمانيّة والديمقراطيّة بصفاتٍ جديدةٍ؟
-هل أحدث رورتي قطيعةً ابستمولوجيّةً من خلال التضامن الاجتماعي مع الكوجيتو الديكارتيّ؟
و قد بينت الطالبة للأونلاين أن البحث جاء في أربعة فصول:
-الفصل الأول بعنوان: « المُمَهِّدات الفكريّة والفلسفيّة عند رورتي « وقد خصّصنا هذا الفصل لتَتَبُّع أهم المحاولات أو المشاريع الدينيّة التّي كان لها الأثر البارز في إعادة تشكيل وبلورة الدين عند رورتي، إذ تراوحت هذه المحاولات بين كيركيجارد وتجربته الذّاتيّة الإيمانيّة، وبين المحاولة النيتشويّة التّي هدمت العالم الميتافيزيقي وشكّلت عقائد انسانيّة لا دينيّة، وبين تيليتش الذّي زعزع أساسات الدين المُهتزّة ووحدّ بين الدين والفلسفة، وبحث عن مُخلِّصٍ لاغترابِ الذّاتِ الإنسانيّةِ الذّي تجلّى  من خلال يسوع حامل الوجود الجديد، وأخيراً ديوي المُنادي بالديمقراطيّة والحريّة الدينيّة، كما أنّنا وصّفنا في نهاية هذا الفصل الثقافة الأمريكيّة  بالثقافة الواهنة والحديثة العهد مقارنةً بالثقافتين الفرنسيّة والألمانيّة.
-أمّا الفصل الثاني فقد حمل عنوان « مفهوم الله عند رورتي « وقد حاولنا من خلاله التركيز على تفكيك مفاهيم الدين التقليديّة، وتأتي فكرة الحقيقة كأحد أهمّ المفاهيم التّي تنكّر لها رورتي،كما تمكّنا من تسليط الضوء على زعزعة الأُسُس الماهويّة والتمثيليّة والتأسيسيّة التّي تُؤَسِّس لمفهوم الله كحقيقة، وذلك بوضع اللّا -Anti- قبل كلّ الأسُس السابقة، ليتمُّ إعادة تشكيل البنية الإلهيّة من جديد بمعنى المحبّة والأمل من خلال الإلحاد الرومانسيّ، وتصبح اللغة الدينيّة هي اللغة الرومانسيّة الشعريّة، والمحبّة بين الأفراد سوف تُمَهِّد لفكرة الأمل الاجتماعي، لنخلُص في نهاية هذا الفصل إلى أنّ الله أملٌ أكثر من كونه معرفة.
-والفصل الثالث بعنوان « هرمونطيقا الاغتراب الديني عند رورتي» تندمج في هذا الفصل التجربة البراغماتيّة بالتأويل الهرمونطيقي، إذ نتبِّع استراتيجيّة الانتقال بالدين من الموضوعيّة إلى التضامن، ليصبح الدين تضامنيّاً لا موضوعيّاً، ونتجاوز مرّةً أخرى القداسة الدينيّة ونُقدِّم الدين بوصفه ديناً مرغوبيّاً، يتلوّنُ بين المحبّةِ والأملِ والتضامن ليصبح تعدُّديّاً لا أحديَّاً، وليتناغم أيضاً مع حاجات المجتمع الديمقراطي التعدُّديّ، بوصفه الحاضنة الشرعيّة البديلة عن الحاضنة الدينيّة.
-أمّا الفصل الأخير فهو بعنوان « تجليّات الدين في السياسة عند رورتي» يُعدُّ هذا الفصل بمثابة تكريس للجهد النيو براغماتيّ، إذ يُعيد رورتي تشكيل المجتمع الأمريكي عبر هذا التصوّر، فالتجليّ الأوّل الذّي حمل عنوان الليبراليّة التهكُّميّة سوف يتجسّد من خلال اليوتوبيا الليبراليّة في المجتمع وإعادة تأسيس الذّات السياسيّة التهكُّميّة، أمّا التجليّ الثاني فيتعلّق بالتجاوز الرورتي للعلمانيّة السطحيّة المعروفة بفصل الدين عن الدولة، لتصبح العلمانيّة على يدّ رورتي علمانيّة نيو براغماتيّة تنظر إلى الدين بوصفه شأناً فرديّاً وتسعى إلى قيام وتحقيق الدولة الأمريكيّة. وخلصنا في هذا الفصل إلى اعتبار المواطنة الديمقراطيّة بمثابة الدين الذّي يجمع شتات الأفراد تحت لواء الوطن ذاته، كما نُحاول أن نهدف في نهاية هذا الفصل إلى العبور من خلال الدين الحديث إلى برّ العدالة الاجتماعيّة متخطيّن كلّ الاختلافات العرقيّة والجنسيّة والدينيّة.
أما النتائج فيمكن اختزالها اختزالها في بضع نقاطٍ رئيسةٍ:
- لقد استطاعت الفلسفة النيو براغماتيّة بوصفها أحد أهمّ تيّارات الفلسفة المعاصرة، بأن تُعيد الاهتمام وتُسلِّط الضوء مُجدَّداً على الدين، وخصوصاً مع رورتي الذّي تمكّن من النظر إلى الله بوصفه إمكانيّة، ومن الممكن تحقُّقها أي انتقالها من العالم الميتافيزيقي إلى عالم ما بعد ميتافيزيقي، لتكون علاقة الفرد بالله ليست علاقةً مبنيّةً على التسلُّط والخوف، بل علاقةً قائمةً على المحبّة والتعاطف.
- إنّ زعزعة الدين التقليديّ مع رورتي، كانت بمثابة القاعدة الأساسيّة لبناء تصوّره الحديث، الذّي يرمي من خلاله لأهداف سياسيّة، وتظهر بشكلٍ واضح عبر إعادة تشكيل المجتمع الأمريكي من جديد.
- لقد حقّق رورتي قفزةً نيو براغماتيّةً وتجاوزاً ملحوظاً على كلّ المشاريع الدينيّة السابقة تاريخيّاً، وذلك عندما استخدم لغة التأويل الهرمونطيقيّ وتلاعبَ بصفات الدين التقليديّة، واستبدلها بأخرى أكثر ملائمةً لروح عصر ما بعد الحداثويّ.
- نظر رورتي إلى الدين بلغة لا دينيّة من خلال الإلحاد الرومانسيّ، فربط الشعر بالدين ووجّه الاهتمام للدور البارز الذّي يلعبه الشعراء والسياسيوّن في المجتمع الليبراليّ.
- استخدم رورتي الدين الحديث كذريعةٍ نفعيّةٍ لتحقيق أهدافه المنشودة في قيام وتحقيق الدولة الأمريكيّة، معتمداً على أركان الثالوث الاجتماعي المُتمثِّل بالليبراليّة التهكُّميّة والعلمانيّة النيو براغماتيّة وصولاً للديمقراطيّة والتضامن والعدالة الاجتماعيّة.
لقد أحدث رورتي انقلاباً على الكوجيتو الديكارتيّ، عندما فتحت الأنا الآفاق لنسقٍ فلسفيِّ سياسيٍّ جديدٍ، يستفيد من الدين باعتباره بنيةً خاصّةً بالفرد، وليكون كوجيتو رورتي  أحد أهمّ سمات المرحلة المعاصرة الحرجة التّي نعيشها، والتّي تتخذّ الدين كوسيلةٍلبقائها والمحافظة على وجودها، ليتجلّى الدين كحالةٍ شخصيّةٍ تُغذيّها مرغوبيّة العبادة عبر الإلحاد الرومانسيّ، وبذلك لم يعد الدين يُشكّل مانعاً أو قيداً لحريّة الفرد في اختيار علاقاته الاجتماعيّة، لأنّ الدور الذّي يقوم به في تلبية حاجات الفرد الروحيّة لا يمكن إلغاؤه.
وبذلك تكون العلاقة البين ذاتيّة المشتركة مع الآخرين ليست قائمة على  أفكارٍ دينيّةٍ، وإنّما على أفكارٍ دنيويّةٍ قائمةٍ على مبدأ الحوار والمناقشة بين الأفراد،كما تعتمدُ وبشكلٍ أساسيٍّ على أهميّة وجود فكر علمانيّ نيو براغماتي يشترط العدالة والمساواة، خاصّةً وقد استُخدِمَ الدين مؤخرّاً بطرقٍ نفعيّةٍ سلبيّةٍ لا أخلاقيّةٍ، تعبثُ بأمن الأفراد وأمانهم، ليكون الدين الحديث المبنيّ على قيمٍ معاصرةٍ متميزّةٍ بالحريّة والمرغوبيّة وسيلة الحضور الطاغيةِ في المجتمع، ولا يُمكننا أن ننسى أنّ هذه المحاولة لا ترمي إلى الإطاحةِ بالدين، وإنّما الحفاظ على الجوهر الديني القابع في قلب كلّ فرد، ولكن طريقة التعبير عن هذا الدين وأساليب العبادة تتراجع كُلمّا تقدّم الشعور الجمعيّ لدى الأفراد بأهميّة الانتماء للكيان الأكبر وهو الوطن، الذّي يجمع شتات الأفراد المختلفين عرقيّاً وجنسيّاً ودينيّاً.
أخيراً . .  تقدمت الباحثة بخالص الشكر والتقدير والاحترام للأستاذ المشرف الدكتور محمد فرحة، الذي قدّم لها خالص علمه ومعرفته، وساعدنها في إتمام كلّ مراحل البحث، ولم تكن لهذه الدراسة أن تكون على هذه الصورة لولاملاحظاته وتوجيهاته، التي أضفت على البحث بريقاً خاصّاً.
كما شكرت الباحثة لجنة الحكم د. هلا علي، د. عفراء إسماعيل، على تفضُّلهما بقراءة هذا البحث وتصويبه.
والجندي المجهول وهو زوجها الذي ساندها ودعمها منذ لحظة الإيفاد إلى اليوم، والأهل والأصدقاء . .
والوطن الحبيب سورية الذي منحها فرصة إتمام تحصيلها العلمي وتحقيق أمالها وطموحاتها، وإلى روح والدها الغالي.

 

 

 

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش