عاجل
680 مليون لمشروعات الخطة الاستثمارية للموانئ واستئناف انهاء مشروع ميناء البسيط السياحي

الوحدة اونلاين- رنا عمران-

ينزع بحث (منهجية التأليف في كتب التراجم حتى القرن العاشر الهجري)  إلى وضع تصوّرٍ دقيق وموضوعي في حقيقة اختلاف المناهج والأساليب في التراجم، وتقديم صورة واضحة للتأليف في هذا الباب من العلم على امتداد مساحة زمنية واسعة تصل حتى القرن العاشر الهجري. وقد اعتمد البحث المنهج التاريخي في عرض مادته العلمية وفق تسلسل زمني تتقاسمه الأبواب، هذا ما تصدت له المعيدة منال محمود ناصر لصالح جامعة طرطوس  في بحثها الذي أعدته لنيل درجة الدكتوراه في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ،قسم اللغة العربية بإشراف د .حسين وقاف , و هو أول رسالة دكتوراه لصالح جامعة طرطوس ناقشته أمام لجنة الحكم التي تألفت  من الأساتذة الدكاترة : حكمت عيسى و لطفية برهم و يوسف زردة و أسامة ميهوب، ونالت الباحثة تقدير جيد جداً.

يستحضر البحث في ضوء هذا المنهج الظروف التاريخية التي أفرزت حركة التأليف في التراجم، ويتيح هذا المنهج للبحث إمكانية قراءة الكتب، وبواعث تأليفها، ومنهجيتها، قراءة نقدية تربط بين هذه الكتب وزمان تأليفها، مما يساعد على اكتناه أصالتها وقيمتها المعرفية من دون عزلها عن محيطيها الزماني والمكاني.

وقد اشتمل البحث على مدخل، وثلاثة أبواب يضم كل واحد منها فصلين، وخاتمة. بحث المدخل في مفهوم المنهجية، لغةً واصطلاحاً، وعرّف بكتب التراجم بشكل عام، وأهميتها وأنواعها وصلتها بصنوف التأليف الأخرى.

ثم يأتي الباب الأول بعنوان (حركة التأليف في التراجم خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة)، ويضم فصلين: الفصل الأول (إرهاصات التأليف في التراجم خلال القرنين الأول والثاني للهجرة)، وفيه عرض المراحل التأسيسية لحركة التأليف في التراث العربي، من رواية و تدوين وكتابة وإنشاء، وعرض لحركة التأليف في السيرة النبوية الشريفة بوصفها المنجز التأليفي الأبرز الذي أرهص للتأليف في التراجم. والفصل الثاني (بدايات التأليف في التراجم خلال القرن الثالث الهجري)، إذ يعرض البحث فيه كتب التراجم الأولى في الصحابة و المحدّثين بأنواعها المختلفة، من كتب الأسماء و الكنى، و كتب الجرح و التعديل، و كتب الطبقات والأخبار، إضافة إلى كتب تراجم الشعراء. ويأتي الباب الثاني بعنوان (الكتب الأصول في التراجم خلال القرن الرابع الهجري)، ويضم فصلين: الفصل الأول (كتب التراجم الموسوعية و المتخصصة)، وفيه نماذج لأشهر الكتب الأصول في التراجم التي نزعت إلى التوسع في مادتها، و الكتب التي اختصت بنوع محدد من التراجم من جهة أخرى، كتراجم الشعراء و النحويين و القضاة، و الفصل الثاني (كتب التراجم في الصحابة و المحدّثين)، إذ يفرد البحث لهذا النوع فصلاً مستقلاً لأهميته و كثرة مؤلفاته وضخامة حجمه. ويأتي الباب الثالث بعنوان (كتب التجميع والتهذيب والاختصار من القرن الخامس حتى القرن العاشر الهجري)، ويضم فصلين: الفصل الأول (كتب التراجم القائمة على منهجية التجميع)، وفيه استعراض لأهم كتب التراجم التي اعتمدت في مادتها على كتب سابقة، سواء أكانت تراجم متنوعة أو متخصصة، و الفصل الثاني (كتب التراجم القائمة على التهذيب والاختصار)، وفيه استعراض لأهم كتب التراجم التي نهضت على تهذيب كتب التراجم السابقة و اختصارها.

نتائج

يمكننا أن نوجز أهم نتائج البحث على النحو الآتي:

  - أرهصت حركة الرواية الشفوية، ولا سيما الشعرية منها، للتأليف في التراجم والأخبار، إذ لم يكتفِ الرواة منذ العصر الجاهلي حتى بداية العصر العباسي برواية الشعر وحسب، بل عمدوا إلى توثيق حيوات الشعراء وأخبارهم وصفاتهم و أحوالهم في أثناء مروياتهم، وقد توسّع جهد الرواة في بداية العصر الإسلامي إلى مجالات متعددة، فبرز في إطار هذه الحركة رواة الأنساب، و رواة الحديث الشريف، ومع مرور الزمن برزت الحاجة إلى تدوين هذه المرويات مخافة ضياعها، فكانت حركة التدوين التي بدأت بتدوين الشعر والأنساب والأخبار التاريخية، إضافة إلى تدوين القرآن الكريم و تفسيره، و تدوين الحديث النبوي الشريف، وعلى الرغم من افتقاد معظم هذه المدونات للمنهجية العلمية، إلا أنها كانت حجر الأساس للمؤلفات المنهجية التي اختصّت بفن التراجم في العصور اللاحقة.

- أدّى تدوين السيرة النبوية الشريفة خلال القرنين الأول والثاني للهجرة إلى تشكيل ذخيرة معرفية تتصل بالرسول الكريم (ص) وصحابته، وقد اعتمدت عليها كتب التراجم اللاحقة بشكل كبير، ويمكننا أن نتلمّس الملامح الأولى للمنهجية لدى كتّاب السيرة الأوائل، فقد راعى هؤلاء الكتّاب التسلسل الزمني للأحداث، والتزموا بالإسناد في مروياتهم، ولا تخلو مدوّناتهم من الحس النقدي، والشواهد القرآنية و الشعرية، والعناية بتفاصيل الأحداث، وقد قدّموا ذلك كله بأسلوب بسيط خالٍ من التعقيد، وبذا فقد شكّلت السيرة النبوية مرجعية سامقة على المستويات الدينية والثقافية والفكرية والمنهجية في الوقت نفسه، وأسست للتأليف في علوم التاريخ والتراجم والأنساب وسواها.

- شكّل التأليف في التراجم الشعرية ملمحاً مهماً من ملامح حركة التأليف عند العرب في القرن الثالث الهجري، و تُعدُّ كتب ابن سلام الجمحي و ابن قتيبة الدينوري وابن المعتز مِن أشهر ما أُلِّف في هذا المجال، و تجلو منهجية هذه الكتب طبيعة الفكر النقدي و المعرفي و الثقافي في ذلك العصر، وهي منهجية تنهض على معيار الشهرة في انتقاء التراجم، و إطلاق الأحكام النقدية العامة، والعناية بالجوانب الاجتماعية و السياسية و الدينية و الأدبية في سياق الترجمة، مما أسهم في رسم صورة واضحة للمجتمع العربي في العصور التي تناولها المؤلّفون، و لئن سارت منهجية ابن سلام على نظام الطبقات في عرض تراجمه، فإن السمة العامة لنظيريه هي غياب المنهجية الواضحة في تسلسل تراجم كتابيهما، فيما جاء حضور الإسناد متفاوتاً بين هذه الكتب بشكل عام.

- شهد القرن الرابع الهجري تطوراً كبيراً في مجالات التأليف كافة، وفي تأليف كتب التراجم بشكل خاص، ولا سيما من الناحية المنهجية، فقد جمع المؤلّفون في هذا القرن ما تواتر من روايات شفوية و مدونات متفرقة، واتّبعوا مناهج دقيقة في عرضها و تصنيفها، وكان خيار بعضهم التوسّع و التنوّع، فيما مال بعضهم الآخر إلى التخصص و التحديد، فظهرت كتب التراجم الموسوعية التي تميّزت بالدقة المستندة إلى التحرّي و الإسناد، و كثرة الاستطرادات دفعاً للسأم، وغزارة التراجم في شتى العلوم، و الترتيب تبعاً للموضوعات، و من أشهر هذه الكتب: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والفهرست لابن النديم. كما ظهرت كتب التراجم المتخصصة التي حددت مادتها بفئة معيّنة من التراجم، كالشعراء أو النحويين أو القضاة أو المحدّثين، و تشترك هذه الكتب مع نظيرتها الموسوعية في تحرّي الدقة والتزام الإسناد، فيما تتباين طريقة الترتيب المنهجي فيها وتتنوّع، فبعضها يعتمد الأسبقية الزمنية في ترتيب التراجم، و بعضها ينزع إلى الترتيب بحسب المعيار المكاني، و بعضها يرتّب تراجمه و يُسلسلهم على حروف المعجم.

- أدّى انتشار حركة التأليف و توسّعها خلال القرن الرابع الهجري إلى نشوء ضرب جديد من التأليف خلال القرن الخامس وما بعده، ويستند هذا الضرب إلى تعدد المصنّفات و كثرتها ضمن الفن الواحد، ومن ذلك فن التراجم، فعمد بعض المؤلفين في كتب التراجم إلى تجميع مادتهم العلمية من كتب سابقة، لتغدو المنهجية التي بُنيت عليها هذه الكتب منهجية تجميعية، تضم أشتات المعلومات من المصادر و الكتب، ثم تدرجها في سياق يتسم بالشمولية و التوسّع. و قد بدأت هذه المنهجية عبر كتب تعنى بتجميع تراجم الصحابة و المحدّثين، ثم توسّعت بشكل كبير خلال القرن السابع الهجري و ما بعده، فظهرت الكتب التجميعية الموسوعية إلى جانب كتب تراجم الصحابة و المحدّثين. وقد تميّزت كتب تراجم المحدّثين بالتوسّط والاختصار في عرض المادة العلمية، وتنوّع معايير الترتيب المنهجي، والتخفف من الأسانيد الطويلة مع الالتزام بالأمانة العلمية، أما كتب التراجم الموسوعية فقد تميّزت بتراجع حضور المصادر السماعية في متونها، و تعدد مصادرها من الكتب الأصول في التراجم، والدقة المنهجية في ترتيب التراجم على حروف المعجم.

- نشطت حركة التهذيب والاختصار بالتوازي مع ظهور منهجية تجميع كتب التراجم، ففي ميدان التهذيب عمد بعض المؤلفين في هذا الفن إلى تتبع أخطاء و أوهام أسلافهم، وتهذيب كتبهم منها، بالإشارة إليها ومحاولة تصويبها، وقد تميّزت منهجية كتب التهذيب باعتمادها الأدلّة النقلية بشكل عام، والاهتمام بدقة الترتيب المنهجي للتراجم، وتنامي أسلوب إثبات الاسم بالأحرف تجنباً للتصحيف أو التحريف. أما كتب المختصرات فكانت غايتها الإيجاز،  لذا فقد نهضت منهجيتها على الحذف و الانتقائية، وقد طال الحذفُ التراجمَ المكررةَ، و الأخبارَ الواهيةَ، و الأنساب والأسانيد الطويلة، إضافة إلى اختصار الآراء المتعددة، والشواهد الشعرية والنثرية. لقد تطوّرت حركة التأليف في التراجم خلال القرون العشرة الأولى للهجرة، و تنوّعت منهجية التدوين و التأليف فيها تبعاً لتنوّع المعطيات الثقافية و المعرفية عبر العصور، فبدأت بجمع الروايات وتدوينها، ثم انتقلت إلى تصنيف التراجم و تبويبها، ثم برزت ظاهرة النقد و التعليق في سياق التراجم، وصولاً إلى تنامي حركة التهذيب والاختصار التي طالت معظم كتب التراجم، وقد شكّل ذلك كلّه ذخيرة معرفية حفظت تراث الأمة من الضياع، و أعطت صورة واضحة عن تطور الحياة العربية بمستوياتها كافة،  هذا وتألفت لجنة الحكم من الأساتذة الدكاترة الأستاذ الدكتور حكمت عيسى والدكتورة لطفية برهم، والدكتور يوسف زردة، والدكتور أسامة ميهوب، ونالت الباحثة تقدير جيد جداً.

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش