عاجل

 

 

 

الوحدة أونلاين :تمام ضاهر

من قال : إن أفعالنا هي بنات للصدف البريئة!، ومن قال: إن للصدفة مكاناً أصلاً في عالمنا!، فالفعل كما قد لا يعلم البعض هو: ابن شرعيّ للفكرة، تسيّره بأهوائها، وتلوّنه بريشتها، والفكرة إذن هي:  المحرك الأول، الذي يُنتج كل الأفعال، بما فيها تلك المرتدة عن الفعل الأصلي، وما يحرك الإنسان لفعل المبّرات والمضّرات، هي الأفكار الإيجابية، أو السلبية التي تخرج من رحم البيئة الطبيعية، والتجارب الإنسانية، والكتب والمدارس، وحتى الشوارع، فإذا شبهنا الفكرة بالبذرة، والفعل بالثمرة، عندها يمكننا القول: إن زراعة الأفكار بنوعيها، هو واقع لا خيال، والعقل البشري هو: الأرض الخصبة الجاهزة، لالتقاط ما ترشقه يد الزارع أياً كان، أما الغاية من زراعة الأفكار، فهو المحصول الذي يعدّ له بإتقان.‏

الزراعة في أدمغة البشر، أمر ينطبق أيضاً على الأسر، والمؤسسات، والمجتمعات، وحتى الدول، وما على الزارع إلا فتح الغطاء، ليبذر بوسائل زراعته الحديثة، والمدروسة بعناية فائقة، كل ما يحلو له أن يبذره، أما وسائل الإعلام، فهي أخطر تلك الوسائل (الزراعية)، والمجتمعات المتقدمة، هي تلك التي تعنى بوسائلها هذه، فتضع زبدة إمكاناتها، في سبيل تغذيتها بأفكار جديدة،  تحقق مصالحها، و مصالح مؤسساتها، وحكوماتها، وأفرادها، ولو على حساب الأفراد والمجتمعات والدول الأخرى.‏

أما أخطر وسائل زرع الأفكار، فهي نشرات الأخبار، والبرامج، والمسلسلات، والأفلام، خاصة تلك التي تعبث بالمشاعر الإنسانية، فيعزف من يقفون خلفها، على أوتار المشاهدين الحسّاسة، فيضربون ضربتهم، التي قد تكون قاصمة، دون دراية من المتلقي.‏

فيلم زارع الأفكار، الذي أنتجته هوليوود، ونال عليه بطله (ليوناردو دي كابريو) جائزة الأوسكار، هو باختصار مثال عن آلية عمل الأفكار تلك، ورسالة الفيلم واضحة، وخطيرة، في نفس الوقت، فهو يروي قصة شخص ممنوع من رؤية أبنائه، لأنه متّهم بقتل زوجته، وهو في ذات الوقت، أستاذ في تقنية زراعة الأفكار،  عن طريق الأحلام، أما آخر ضحاياه، فهو ملياردير أجنبي، يملك سلسلة من الشركات الكبرى، التي تسبب أرقاً للشركات المنافسة، فيدخل المحتال  في أحلام الرجل، ليدفعه إلى تدمير إرث آبائه، عبر زرع فكرة صغيرة تدعوه إلى تحقيق حلمه الشخصي المستقل عن ثقافة عائلته، في النهاية ينجح المحتال في غايته، ويُبرّأ من تهمته الأصلية، في حبكة هوليودية  مقنعة، ومشغول عليها بعناية، من قبل خبراء في علم النفس وعلماء في تفسير الأحلام، فإذا شبّهنا المحتال بأمريكا، وأطفاله بمستقبلها، وزوجته التي قتلها بإحدى ضحاياها، والهدف الذي يسعى لتحقيقه، هو تدمير أعداء أمريكا، الذين تسعى دائماً لتدميرهم،  عبر معرفتها لأدق أسرارهم، والعزف على أهم أوتارهم، لأنها ببساطة قد زرعتهم بأفكارها، عبر تحكمها بأعظم وأكبر وسائل الإعلام المعروفة .‏

ما نراه ونعيشه اليوم في مجتمعاتنا العربية، هو نتيجة زراعة الأفكار الغريبة فينا، وهو نتاج غير بريء لقصورنا عن ابتكار بذارنا، أو المبادرة لمعرفة آلية تفكير أعدائنا، فتربتنا كانت خصبة لانتشار الأفكار الفاسدة، والبعيدة عن ثقافتنا، فتناولنا دون أن ندري ثماراً مسمومة، وما نستطيع فعله اليوم، هو إتلاف تلك الثمار، وتجفيف تلك التربة، والإعداد لأخرى خصبة، تزرعها أيادينا البيضاء، بكل ما أوتينا من خير ونماء..‏

 

 

 

 

 

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش