عاجل

 

 

 

 

الوحده اونلاين: تمام ضاهر

منذ الطفولة ، منذ بزوغ القراءة ، وإشراقة الكتابة  ، منذ ولادة الوعي ، ومنذ أن تعلمت عيني ، كيف تسير بين حروف اسمك بلا تعثر ، ومنذ أن تعلّمت شفاهي كيف تطبع القبلة الأولى ... قبّلتك ، وقبّلت شفاه شواطئك ، وأكتاف صخورك ، وجدائل شمسك ، وقبلت أسمائك السرمدية ، جبلة الأيهم : وهل أمتلأت جيوبي بالعطر إلا منك  ، ومعك ، وفيكِ ، كم حلّق حلمي في ضوء القمر، ولم أعرف طعماً لمدينة سواك .

مدينتي الحبيبة جبلة :  وهل تتركين في الذاكرة متسعاً؟، وهل يستطيع العاشق أن يستبدل محبوبته بأخرى؟ ،  فإذا كنت من أجمل القصائد السورية ، فإن معالمك من الجبل إلى البحر،  هي قصيدتنا غير المكتوبة ، ورحم الله شاعرنا الذي  قال : أجمل قصائدنا تلك التي لم نكتبها بعد ،  وصدق الشاعر فقصيدتنا هي الأجمل،  لإنها تسكن على أطراف شفتنا واللسان ..

 اليوم جبلة وكورنيشها على كل شفّة ولسان ، بعد أن جثمت على صدرها الهموم  ، هموم اغتيال الأحبة الشهداء ، الذين عانقوا مجد الله في الأعالي ، وهموم اغتيال الكورنيش ، تحت سمع وأبصار المعنيين .

استعدت ذاكرتي بعد سماع أخبار الكورنيش ، ورحت أقلب مشاهدها مشهداً مشهداً ، فرأيتني أساهر عيون الحبيبة في  (كرسيّ الملك) ، وأصطاد السمك في (البلطة) ، وأستحم في مياه

( الزرقاء ) ، وألعب الكرة الشاطئية في (الرمّلة) ، اليوم أشعر بأني غريب عن مدينتي ، كل مشاهدها ذوت ، وطعوم ذكرياتها غاب عنها الملح ، ليحلّ في الحلّق المرار ، مرار غياب الأحبة الشهداء ، ومرّالاسمنت ، والزفت ، والمزفتون  ، والاسمنتيون ، الذين ابتلعوا كل شيء ، إلا بقايا كورنيش تصرخ : أين أنتم !!

في مدينتي كان كل شيء جميلاً ،  اليوم كل جميل فيها صار مؤلماً ، وسط بحر الغضب أقول  : يا  مدينة بعرض القلب ، وطول الخيال ، ما أشبهك اليوم بنصف امرأة حرّة ، أوببضعة جواري ، عندما كان أحدهم يستذكرك أمامي ، كنت أهتف : ما أخبار كورنيش البحر ، ذلك الذي ذكرته إذاعة مونت كارلو ، وقالت فيه : إنه أجمل كورنيش بحري على شاطىء المتوسط  ، الجواب دائماً كان يلهث بالأسى ، ويتشح بالحزن ، ما عاد فيه كورنيش ، وما عاد فيه عيون ، العيون استحت ، و الكورنيش بيع أو أَجر وسط أمر دبر بليل .

 ماذا نفعل إزاء من يغتالون الذاكرة ، ماذا نفعل و مدينتا الحبيبة أمست بلا فم  ، بلا صدر ، إنها حقاً بقايا امرأة ، بعد أن استباحها زبانية الأزمات ، معذرة أيها الكورنيش الذي كان قصيدة ، يترنمها فم كل شاعر ، و زائر ، ومقيم ،  معذرة فقد صرنا جزءاً من قطعك الاسمنتية ، التي تجثم على وجهها الاشغالات ، وتحتلها الكراسي والطاولات ، أما هواءك البحري ، الذي كان منعشاً لوجوهنا  ، التي  تتنفس اللانهاية ، في  حروف الجمال ، فقد صار اليوم : بلا طعم وبلا لون وبلا رائحة ... وبلا حرف..!

 

 

 

 

 

 

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش