عاجل

الوحدة أونلاين : - دعد سامي طراف -

كل ما تأتي به الحكومة من حلول للحد من الأزمة التي تجاوز عمرها ثلاثة أعوام باتت حلولاً ترقيعية.. بدءاً من ارتفاع الأسعار الذي لم يعد يطاق، وانتهاءً بتذبذب أسعار الصرف الذي كان أساس مشاكل الأسواق كافة. والجميع يدرك أن المصرف المركزي أعلن نفسه لاعباً احتياطياً وليس أساسياً  لأنه دخل السوق بخجل.. ما عزز نظرة الآخرين بأنه كان وما زال الحلقة الأضعف .

أمام تلك التراكمات يرى الباحث الاقتصادي الدكتور عمار مرهج أن الفريق الحكومي لا يتحمل وحده تبعاتها وإنما هي نتائج أخطاء وقعت فيها حكوماتنا المتعاقبة في التخطيط وتهميش فعاليات كفوءة ومستثمرين حيناً آخر.

ويضيف الباحث مرهج لا يمكننا النظر إلى القرارات الحكومية على أنها العامل الوحيد لارتفاع الأسعار. فهي وإن كانت أحد العوامل فالنظر لها  أو تقييم تأثيرها يجب أن يتم بنظرة واسعة الطيف تأخذ بعين الاعتبار مجموعة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلد. إضافةً إلى الأهمية البالغة في ضرورة النظر إلى السياق  العام لخطط الحكومات المتعاقبة منذ ما قبل الأزمة حتى الآن.

فإذا نظرنا إلى مرحلة ما قبل الأزمة نجد أنه كانت الخطط الحكومية بشكل عام تنحو بالتدريج نحو مبدأين أساسيين هما رفع الدعم أو عدم إيجاد آلية  عادلة  لتوزيعه. وتوجه السياسة الاقتصادية باتجاه اقتصاد السوق مع عدم إيجاد البدائل الفعلية لتأمين نوع من الأمن المادي بالنسبة لعدد كبير من السوريين.

معاناة ضريبية:

بالإضافة إلى عدم العدالة أو التوازن في التكليف الضريبي أو الجباية المالية بشكل عام والهدر الفادح في الموارد وتحميل هذا الهدر على كاهل الطبقة الوسطى بشكل أساسي ما أدى إلى تحميل هذه الطبقة أعباء مادية كبيرة وبالتالي تراجعها وتراجع دورها. وقد انعكس ذلك سلباً على قطاعات واسعة من المجتمع  السوري.  وأدى بشكل تدريجي إلى زيادة الهوة بالمعنى الطبقي بين مكونات المجتمع. وبدأت تظهر فروقات فادحة وتباينات طبقية كبيرة. كما بدأت الثروات الضخمة تتركز في يد طبقة قليلة مقابل ازدياد فادح في نسبة الطبقات الفقيرة أو التي على حدود خط الفقر.

رفع الدعم:

وقد تمثل رفع الدعم في محاولات الحكومة الحثيثة لمساواة أسعار السلع الأساسية بأسعار الأسواق والدول المجاورة مع تعثر كبير ومستغرب في السيطرة على تهريب المواد المدعومة إلى الخارج، مع طرح آليات غير ناجحة لإيصال الدعم إلى مستحقيه بالإضافة إلى زيادة الأعباء المادية على قطاعات التعليم بعد تنامي القطاع الخاص – جامعات وثانويات خاصة – والتخفيض  التدريجي لسياسة الاستيعاب الطلابي. تمثل ذلك في الرفع الأسطوري لمعدلات القبول الجامعي ما شكل عبئاً كبيراً أيضاً على مرحلة التعليم الأساسي والثانوي.

صناع المشكلات:

أما التوجه نحو اقتصاد السوق من وجهة نظر الاقتصادي مرهج قد رافقها عدم الحماية أو عدم حماية المنتج المحلي. فقد تراجع دوره بشكل كبير.  وأغلقت عشرات المشاكل الصغيرة والمتوسطة بسبب المنافسة الكبيرة للمنتج المستورد. وأبلغ مثال هو الموبيليا التركية وغيرها من البضائع التي دخلت أسواقنا وضربت مصدر رزق أعداد كبيرة من الحرفيين والعمال في هذه القطاعات كما منح التوجه نحو اقتصاد السوق تسهيلات غير مدروسة للمستثمرين بما في ذلك التسهيلات البنكية مقابل إيجاد معوقات غريبة أمام المشاريع الاستثمارية الحقيقة أدى إلى تركز الثروة بيد طبقة  معينة لها امتيازات خاصة ورافق ذلك محاولة خصخصة .. بدءاً من الشركات العامة دون إيجاد البدائل الإنتاجية ومراكمة الموظفين بشكل غير إنتاجي لصالح مؤسسات أخرى مما جعلهم يشكلون عبئاً كبيراً على تلك المؤسسات.

إذعان وتخلٍ:

بالنسبة لعدم التوازن بالتكليف الضريبي أو عدم العدالة الضريبية فقد كان ذلك واضحاً والسياسة الضريبية بشكل عام تستثني مليارات الليرات من مواطن جباية واقعية. في حين كانت تضغط على مكلفين أقل دجلاً إضافة إلى كل ذلك نرى أن هناك عوامل أخرى بالغة السوء كالفساد والهدر.

ضحايا الانتهازية:

ويؤكد مرهج أن هناك عوامل عديدة إضافية خارجية وداخلية.. نفسية وإعلامية وسياسية واقتصادية قد حلت بيننا مع حلول الأزمة الراهنة.. حيث تراجعت عملية الإنتاج بشكل كبير بسبب ضرب قطاعات الإنتاج العامة والخاصة وضرب مصادر الطاقة.. وقطع طرق المواصلات وسرقة ونهب موارد كبيرة على رأسها الموارد النفطية. وتحييد جزء من الطاقة البشرية عن طريق التهديد أو إغرائهم  بالمال للتمرد على الدولة.. مما أدى إلى تعثر الإنتاج وهروب رؤوس الأموال الوطنية وغيرها.

في الحسبان:

على الصعيد الخارجي العقوبات المالية لما في ذلك من عقوبات على الليرة السورية والتحويلات المالية والبنكية والعقوبات الاقتصادية وما تبع ذلك من تهديد عسكري وتعثر قطاع النقل الخارجي أدى إلى اتخاذ قرارات تحت ضغط الأزمة منها ما يتعلق بالتدخل لضبط سعر صرف العملات الصعبة وآلية دعم عملية الاستيراد والتصدير ودعمها بالقطع الأجنبي بالإضافة إلى قرارات رفع الدعم عن أسعار الطاقة بأنواعها الغاز والبنزين. هذا إضافة إلى انعدام الرقابة التموينية بشكل غير مسبوق حتى أصبحت الأسواق ملعباً كبيراً للمحتكرين والمضاربين وجشع الجشعين.

على الغارب:

الحديث عن تعويم السوق وقوى العرض والطلب لم تخضع لأي منطق أخلاقي. كما أن التوجه نحو اقتصاد السوق بالمعنى الحر وتقويم السوق وإخضاعه لقوى العرض والطلب لم يحمل معنى سلبياً بالمعنى الأخلاقي.. وإنما من حيث تسببه في خسارة الكثيرين لمصدر رزقهم وأعمالهم. بل هو أثر بشكل سلبي بالمعنى الوطني من حيث عدم حماية المنتج الوطني. وبالتالي أدى هذا إلى إغلاق الكثير من المنشآت الإنتاجية الصغرى والمتوسطة. والتي هي غير قادرة على المنافسة وخصوصاً المنافسة الدولية. فمبدأ المنافسة قد يكون ضرورياً بين المنتجين الداخلين ثم على صعيد المنافسة الدولية أو الخارجية كان يستلزم آليات تسمح بوجود المنتج الأجنبي. لكن مع أفضلية حماية المنتج المحلي ودعمه وتشديد الرقابة عليه ليرتقي بمستواه إلى الجوده والمواصفات القياسية العالمية.

بدائل في الأزمة:

هناك أمر شديد الأهمية.. وهو أن ردود الأفعال وديناميكية إيجاد البدائل كانت بطيئة جداً. وكان يمكن إعادة فعالية القطاع وتدخل الدولة بشكل أكثر فاعلية. وذلك بتأمين الفعاليات الإنتاجية التي نجت من موجة التخريب الأولى. كما  كان يمكن إيجاد بدائل مالية وسلعية متنوعة وتفعيلها بشكل أكبر كي تعوض الخسائر والنقص السلعي الفادح.

وكان يمكن إيجاد آلية فاعلة بضبط الأسواق وضبط الهدر.. كل ذلك أدى إلى ما وصلنا إليه.

 

 

 

 

 

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش