عاجل

الوحدة أونلاين – رنا رستم -

ضمن ورشة أقامتها جمعية المعماريين في نقابة المهندسين باللاذقية بعنوان (العمران في ريف الساحل السوري بين الواقع والارتقاء) قدّمت م. زينب الخير رؤيتها الفنية لواقع الريف ومشكلات العمران فيه والمعيقات التي تحول دون نهوض ملامح عمرانية تصبغ الريف وتعكس هويته العمرانية.

 م. الخير وبعد أن شكرت منظمي الورشة على استضافتها بدأت بالقول:  

إذا انطلقنا من المقولة الشهيرة أننا نحن نشكل عمارتنا لتعيد عمارتنا تشكلينا من جديد... نستطيع أن نعيد مشكلات ريف الساحل السوري الاجتماعية إلى جذرها العمراني ونفهم أن هذه الفوضى المرئية تعكس حجم الفوضى الذهنية اللامرئية...وهذا الانفلاش العمراني يعكس انفلاشا اجتماعيا عميقاً ويتجذر باطراد...فمن أين نبدأ ؟!.

كان يا ما كان...شمسٌ وخضرةٌ وماءٌ وطقسٌ معتدلٌ على مدارالعام، يشتدُ الحرُ أياماً معدودةً في الصيف فتنضج الثمار، يطيب التين ويحلو العنب ويستنفر الريفيون لتعبئة مؤونة الشتاء، يحضرون البرغل، والتين اليابس، ويتحايلون على كافة الثمار تجفيفاً، وتخليلاً... وحين يلينُ الطقس مع الخريف يستكملون استعداداتهم لمواجهة الشتاء؛ يعصرون الزيت والرمان ويحفظون الزيتون...ويأتي الشتاءُ قاسياً، شرساً، جامحاً، ينظف العنابر من المؤونة، والبيوت من كلِ احتياطي مُدَّخر، ينظف الأرض مما لحق بها من عسف الطبيعة وجور البشر، ثمَّ يترك الساحة ليعيد الربيعُ توزيع الأدوار وتدور معزوفة الحياة مجددا، يرتل فيها الجميع، الناسُ والأرضُ والسماءُ، الترابُ والريحُ والماءُ وكلُّ العناصر، وكان ريفُ الساحل السوري يعيش هذا التناغم عاماً بعدَ عام...فهوَ مسرح الطبيعة الأقوى.

اليوم تمشي السيارة بالواحد منا، تطوي التلال والوهاد والعين تبحث ملهوفة عن أطيافِ الخضرة المتبعثرة...عن مكونات الريف العمرانية، عن بيوت تخُصُّهُ، وعمارة تميزهُ... عن قرى متجمعة و أراض زراعية تلتف حولها...فتجدُ بعضا ًمن كُلَّ ما سبق وسط طوفان من التداخُل والاختلاط يعمي البصيرة قبل البصر ويضيع الحدود..

ويسأل المرء نفسه هل غادرَ المدينةَ؟!.أينَ انتهت حدودها؟!. أين ابتدأت حدودُ الجوار ؟!. أين تبتدئ حدود القرى والبلدات، وأين تنتهي؟!.

 امتدت أحزمة البؤس شمالاً وجنوباً، صعوداً و نزولاً...وعمقاً في النفوس.

نحن لا نبالغ إذ قلنا هي أحزمة بؤس...فليس البؤس الاقتصادي وراءها بالضرورة، لكن إن نحن اعترفنا بأنَ الفوضى بؤس، وغياب التنظيم بؤس، وغياب القانون كسلطة فاعلة على أرض الواقع بؤسٌ أيضاً...فسوف نجدها فعلاً بمجملها أحزمة بؤس إنساني، اجتماعي، بل و أخلاقي أيضاً.

 كلُّ من هم فوق الأربعين على ما أظن يستطيعون أن يفتشوا في حقائب الطفولة، في ملفات الصبا المرمية على سطح الدماغ، عن تلك الصور البهية للريف السوري، ريف الساحل السوري تحديداً... فيجدونها... حيثُ القرى تتكئ على التلال، حول الينابيع، على ضفاف الغدران ،يساندُ البيتَ بيت...والمصطبة مصطبة، و الخضرةُ ترتمي باسترخاء على مدِ النظر.

كان القمرُ ضيفَ السهرات الأعز، والإلفة شرطاً لازماً وكافياً للبقاء، و الأمل سلاح الريفين ضد غدر الزمان...و شبانٌ و شاباتٌ يعملون في الأرضِ ينقلون الماءعلى ظهور الدواب لريِّ البشر و الزرع والضرع ...

قسم كبير من هؤلاء صاروا اليوم مهندسين وأطباء وضباطاً، ومعلمين...وتوزعوا في هذه الدنيا، وماعاد أولادهم - شبان اليوم-  يعرفون من الريف إلا العطلة الإسبوعية، أو إجازة العيد يقضونها على عجل مجاملة لأهاليهم ...مجاملة تستوجب بعدها مكافأة مادية مهما تواضعت ...ومن بقي من ذلك الجيل في الريف ظل يشكو الفرصة الضائعة...راضياً بمخزونه من حب الأرض وعشق الأمكنة والحنين لعيش غادر إلى غير رجعة.

 أما الأجيال الأصغر سناً، فقد أفاقت على الدنيا ومن حولها هذا الاختلاط الغرائبي، واعتادت العين عليه...

 المشكلة لها أساس ابتدأ من المدينة...الريف عندنا يتبع المدينة...يقلدها...يمشي على خطاها متخلياًعن خصوصيته...و لكن كما يقال يحجل حجلاً، فلا هو بقي ريفاً نقياً يغسل الهموم، ولا صار كالمدينة التي قد تغسل الهموم بالتنوع، بالترف، بزحمة المشاهد والفرص والإغراءات.  ولأن المدينة عندنا تعاني ما تعانيه من الفوضى وغياب التنظيم وغياب الجمال والهوية المعمارية وكل ما أنتم تعرفونه...اشترى منها الريف هذه المشكلات بالجملة، و تكرس الهمَّ الجماعي على جوانب الطرقات

إذا اردنا تجميع آثار هذا التداخل

1- خرج ريف الساحل السوري  من التصنيف كقوة اقتصادية زراعية فاعلة تمتلك خصائص الاكتفاء الذاتي كما كان سابقاً....

2- ولم يعد الساحل السوري ينتج القمح ولا التبغ، ولاينتج حاجته من التين أو العنب، أو الخضروات...وصارت الأولوية المطلقة للزراعات التي تحتاج مجهوداً أقل مهما تواضع المردود، كالزيتون والليمون، وكلا الموسمين يعاني من مشكلة تسويق كبيرة، انعكست على المستوى المعيشي لأبناء الريف، انعكست على الزراعة نفسها  كفرصة عمل واستشرى الإهمال، وخصوصا أن هذين المحصولين لم يصنفا كمحصولين استراتيجيين ...و من بديهيات القول أن كل المحاصيل استراتيجية حين توظف بشكل صحيح...فالذرة محصول استراتيجي في أمريكا، والبن محصول استراتيجي في البرازيل...والموز والمطاط والتوابل  كذلك في اماكن زراعتها...قبرص تعيش على شجرة الزيتون وشجرة الليمون والسياحة...فمم تشكو محاصيلنا ؟!. بالتأكيد هذه مسؤولية الدولة أولاً وآخراً وليست مسؤولية الأفراد ...

3-  فرض التمايز الحاد نفسه على أبناء الريف، فهم إما متعلمون مهنيون وموظفون، أو جنود، قلة قليلة جداً تمتهن الزراعة كمصدرعيش وحيد، ومن تبقى منهم راغبون بالوظيفة أية وظيفة لا على التعيين أو بالإلتحاق بالجيش.. أمّا العمل الزراعي فله المقطوعين فقط.

4- تغيرت القيم بما يناسب التغيرات الاقتصادية  فالحاكمية الأولى للمال، وبناء عليه  ليس المهم أن تكون الوظيفة متواضعة...المهم أنها وظيفة وحسب، تؤمن دخلا ثابتا يأتي آخر الشهر، يدق الباب ويدخل حاملاً معه أسبابَ الحياة و بقليل من الحيلة، تضاف له دخولٌ صغيرةٌ أخرى ...من هنا أوهناك...ترمم الحاجة ويصبح كل شيء في حدوده الدنيا......

 ومع التسويق الإعلامي العالمي تتسع دائرة التنازلات وكلما قصر الطريق كلما كان الأفضل...قسم كبير من أبناء الريف...وتحديدا الإناث ، يفضل الأعمال المتواضعة  في المدينة على العمل الزراعي الشاق، ولو ذهبت أجور المواصلات بمعظم الراتب...وهذا بحد ذاته تشوه قيمي، معرفي خطير.

5- كانت العمارة الريفية تخدم أبناء الريف...وتلبي احتياجاتهم رغم الفقر المستوطن، فهناك مساحةٌ للمؤن، و أخرى للدواب، وثالثة للأسرة، وغيرها لقضاء العشيات وأوقات السمر...أما اليوم فالعمارة لا تأبه لاحتياجات أبناء الريف...بل تشكل احتياجاتهم حسب أنظمة بناء ظالمة ... أنظمة بناء تتيح للقرية أن تتطور إلى بلدة أو مدينة لاتطاق ، محملة بالمحلات التجارية، إنما بلا أسواق حقيقية إذ لا مهن حرفية هناك ولا صناعات محلية، ولا حراكا تجاريا حقيقيا،  وعمارة شوهاء سوف تخلق حكماً احتياجات شوهاء ولن يكون بوسعها خلق مجتمع سليم و مواطنين طيبين...للأسف الشديد انتقل الريف من الفقر مباشرة  إلى الفوضى، دون المرور بمرحلة وسيطة ....دون نشر ثقافة التنمية والتنمية المستدامة رغم الانتشار العريض لهذه المصطلحات في الاونة الأخيرة  

6- ضاعت الحميمة، ولم تحلُّ محلها مزايا الاستقلالية أو الفردية الخلّاقة...

فأنت في الريف...كما أنت في المدينة تشعر كثيراً أنك وحدك...وتحتاج الإذن المسبق لتشرب

كأساً من الشاي عند الجيران...تفضل أن تعمر بيتك بعيداً عن الآخرين، وتغلقُ بابكَ عليك، على همومك،وشجونك، لكن أخطاءك و عثراتك... ملكٌ مشاع.

أتذكر تماماً، موسم الحصاد؛ كانت الدّراسة الآلية تمُرُّعلى القرى قرية بعد أخرى، وكان الشباب يساعدون بعضهم وكل يوم على بيدر...وتنشغل الضيعة أسبوعاً،عشرة أيام، ليل نهار، بدّراسة القمح، بالمردود...أو القاطعية  كما يسمونه...بمعنى أنَّ الدونُم المزروع قمحاً قد أنتج كذا تنكّةً أوطناً من القمح، وهذا حبَته صغيرة، وذاك حبته كبيرة، هذا ملآن بالزؤان، وهذا صافٍ نظيف..ولأجل هذا يدور الكلام، وتدور الحكايا ،ويتفاعل الناس مع بعضهم أكثر ويجدد كل جيل  تراثاً يخصه ويورثه للأيام ، وتثبت الإلفة نفسها مجددا كخيار نهائي امام أهل الضيعة الواحدة

وكان للتبغ قصته كالقمح، و للزيتون والجوز والعنب قصصها أيضاً....واليوم.... أبواب الناس مغلقة على همومها و على خيراتها أيضاً...و ضاعت مئات التفاصيل..

و يومياً...أؤكد لحضراتكم أنه يومياً تموت قيمة حياتية، معيشية، اجتماعية في أريافنا... كلَّ يومٍ تموت عشرات المفردات البليغة، والأمثال الشعبية، والعادات الجميلة، كل يوم يحاصر التعاون أكثر، وتتبدد المودة أكثر، وتزداد الوحدة أكثر...ولأية درجة تتحمل العمارة الحديثة الآخذة بالتشظي المسؤولية عن هذا...أنا شخصياً لا أعرف بالضبط..

وهل هذا نتيجة أم هو سبب أيضاً لا أعرف...وأعتقد أن الاحتمالين صحيحان فالتداخل والاختلاط الذي أشرنا إليه وصل إلى الإجابات نفسها.

7- إن واقع التغيرات الاجتماعية والبنيوية الحاصلة في ريفنا يستحق التوقف طويلا للبحث عن الأسباب و اقتراح الحلول...وأنا اعتقد أن هذا الغياب القسري للعادات والموروث الاجتماعي دون بدائل موضوعية له سوف يسمح لأي شكل من أشكال العنف الذي يجتاح المنطقة بالتمدد ...على الأقل يمهد له ويترك له الساحات...عنف وقوده الشباب المحبط

- لم تعد هناك ساحةٌ يلتقون بها..

- لم يعد هناك دروبٌ يمشون عليها

- و لا طرقات آمنة يسعون على أطرافها

- كل أسرةٍ تعمر نارجلتيها، و تجلس أمام بيتها، الموبايلات في الأيدي و التلفزيون غير بعيد، وسلامٌ على بنيةٍ اجتماعية لم يتح لها التغيير السريع أن تتأقلم مع المعطيات الجديدة على مهل..

- والقسوة التي تزداد،على مستوى العالم،  نتعود عليها جميعاً، يزودنا التلفزيون بمشاهد عنفٍ كلَّ لحظة ، بأخبار القتل و الإرهاب في كل حين...وهان الموت على الجميع هان الاعتداء على حقوق الآخرين وهان العنف على النفس البشرية ريفاً ومدينة...وسماحة الريفيين التي ضربت بها الأمثال تقاوم بيأس سيلاً عرماً من واقعية التمدن...

والآن أين يكمن جوهر المشكلة  :

 رغم كل ما قد نقوله عن العمارة الريفية...فجوهر المشكلة يكمن في القانون وتطبيقه...في سلطة القانون، في الخطط  العامة للدولة، في من يضعون الخطط من وراء مكاتبهم وفي الخطط نفسها، جمودها، جفافها، فكل تحديث فيها هو تكرار لما سبق مع تعديلات طفيفة هنا أو هناك...تعديلات لا تتجاوز كونها إعادة تفسير لمفاهيم العجز العمرانية، و كأنما توضع ليتم اختراقها من ألف باب ...

وإذ نتحدّث عن الفوضى  نقول فوراً العلة في عدم تطبيق القانون، و حين نتحدّث عن الخضرة المستباحة وفقدان العنصر الجمالي...يحضر إلى الذهن فوراً قصور قانون التنظيم العمراني نفسه...ماذا يعني هذا؟! يعني أن التوافق بين الحاجة والجمال غائب تماما، يعني أيضاً أن إرادة تطبيق القانون عند الجهات المعنية بتطبيقه غائبة أيضا.

سنأخذ مثلاً بسيطاً : القانون العام يسمح بشرفة بعرض 1,2م وبنسبة 25% من نسبة البناء في كل مناطق التنظيم  في الريف السوري بغض النظر عن الشوارع و الأمكنة..

و تتحول هذه الشرفات المسموحة  إلى شريط ضيق يلف البناء، لايؤدي وظيفته الرئيسية كاستراحة للعائلة  ولا وظيفة خدمية كجزء مهم من إجمالي مساحة البيت...والنتيجة عبء اقتصادي كبير على مستوى الوطن ، مئات آلاف الأمتار المربعة هُدرت في شرفات لا طائل من وجودها سوى أن القانون يقضي بذلك...وكان بإمكانها أن تكون شرفات عريضة ومريحة و تتسع لجلسة عائلية ودودة على امتداد ثمانية أشهر من العام... و كان بإمكانها أيضا أن تنضم لغرف البيت لتزيدها رحابة.

أيها الأعزاء زملاؤنا المعماريون خير من يوصّف الوجع، وللأسف نحن هنا مجتمعون وقد تواضع كثيراً سقف المطالب ...وما من حلول إنقاذية للزحف العمراني، هناك مجرد اقتراحات للحد من فوران الفوضى وتمددها ، أما دور المجتمع و الحراك الاجتماعي، دور الإعلام والنخب في نشرالوعي الثقافي الجمالي المديني، دور النقابات والبلديات...كلهاعلى أهميتها تأتي بعد دورالقانون، المطلوب قانون يتمتع بالمرونة والبساطة والسلطة الفاعلة التي تلزم الجهات المسؤولة عن تطبيقه بالعمل على تطبيقه....

يهمني الآن الحديث عن دور النقابة ...للأسف يكاد ينحصر دورها، في استصدار توصيات وزارية وبلدية تبقي على الصلة بين نقابة المهندسين والجهات التنفيذية وتعود ببعض النفع على الزملاء المهندسين وعلى صندوق النقابة. وهي مشكورة على ذلك، ولكنها تستحق دوراً أكبر.

على النقابة أن تبحث عن قوانين تؤكد دورها في إدارة المجتمع ومحاربة الجهل والفقر، ودورها في صياغة جمالية لكل الأشياء...البعد الجمالي للعمارة هو البعد الأول ... وإلا فهي عمارة عرجاء... وما نراه اليوم في ريف الساحل السوري هو عمارة عرجاء..

سنأخذ مثلاً صغيراً آخر:

كانت النساء يجتمعن على التنور، يتعاون، و تدور أحاديثهن ما دام الخبز زاد بيوتهن الأهم حتى جاءت الأفران الآلية و رفع هذا العبء عن المرأة الريفية...واليوم عادت التنانير تنتشر على جوانب الطرقات العامة...ولكن بأي مظهر..وأية بشاعة...

سنقول أن أصحابها فقراء، أنشؤوها لتساعد في لقمة العيش...نحن لا نطلب منهم الكثير، نطلب منهم الانتصارعلى الفقربكرسي خشبي، ومنصة من الطين، وخيمة من أغصان الشجر تنتصب على أربعة قوائم خشبية، أو معدنية لا يهم...المهم أنها تنهض باحترام و حسب..

يعني قليلاً من الترتيب بدلا من الفوضى وغياب النظافة، فكل فرصة عمل مقابلها ضريبة ما، الضريبة المطلوبة هنا هي بعض الترتيب فقط..وتعتاد عليه العين مثلما اعتادت على الفوضى، على النقابة ان تقدم حلولها الجمالية الأنيقة لقيادة المجتمع في دروب الترتيب والانتظام بأبسط الكلف، فالناس تقلد بعضها بعضاً بدون تروٍ...وكل مشروع يبدأ بالناس كما هم ، ثم يحركهم باتجاه تفهم أكبر لأنفسهم وللبدائل التي يقبلونها.

وتبقى أزمات العمران في المجتمع الريفي هي أزمات مجتمعنا بشكل عام...لعل أهمها على الإطلاق

1- غياب القانون وجرأة الناس على تغييبه..و تطور ذهنية الانتفاع من الأمكنة دون ان يرافقهُ تطور مماثل في قانون التنظيم العمراني، وهذا بالمناسبة ينطبق على أي قانون  حتى قانون الأحوال الشخصية ، إذاً تتغير المعطيات،طريقة التفكير،الاحتياجات...و القانون على ماهو عليه..وسلطة العرف تتراجع يومياً ..

2- هجوم كاسح للمعرفة...لن نقول السطحية، فما من معرفة سطحية....إنما السطحي هو طريقة تعاطينا معها...والتركيز على المعارف التي تتعلق بالرفاه و الكماليات دون شمولية المعلومة يبدد الطاقات إلا إذا رافقته تشريعات صارمة تلازم هذا الدفق خطوة خطوة...

فالكل يعرف أن من حقه البناء في أرضِه طالما لاتقل مساحتها عن 4000 متراً مربعاً...ولا يعرف أن هذا يعني تمديدات للصرف صحي، تمديدات للمياه العذبة والكهرباء والهاتف، وطريق توصل إلى البيت، وأرض تخرج من الخدمة حول البيت، وكلف هائلة ،وتلوث بيئي سينجم عنه حتماً تلوث اجتماعي، معرفي وفوضى مستشرية...وما يستطيع تقدير حجم الأضرار الناجمة عن مثل هذا القانون إلا المعماريون...

التوصيات

ايها الأعزاء درجت العادة على أن تختم المساهمات بتوصيات...ولا توصيات لدي سوى القول إن هذه الحرب المشؤومة التي فرضت على البلاد أعادت الريف خطوات نحو الوراء ،ووسعت كل مجال أمام مشكلاته العمرانية والاجتماعية لتزداد انتشارا...وسوف تترك بالضرورة ثغرات مفتوحة في بنيانه الاجتماعي ...إن كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فما هو حال الثكالى والأيتام والأرامل ومن فقد المعيل...ما حال الجرحى وأصحاب العجز النسبي ومشوهي الحرب ولا أكثر منهم...كل هؤلاء يحتاجون من الدولة قانونا عمرانياً يلفهم بعباءته الرحيمة يهدي إليهم البيت، والأرض، والحديقة، والسوق، وفرصة العمل...محتاجون لسلطة قطعية للقانون ... سلطة لاتستطيع أن تنال منها أيدي العابثين.

 

 

 

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش