عاجل

 

الوحدة أونلاين -  دعد سامي طراف-

ثمة خطوات بدأت ترتسم على الأرض تقريباً من زمن نعلن فيه تجاوز أزمتنا في مستواها الاقتصادي على الأقل , الخطوات المشارإليها

يمكن قراءة تفاصيلها من مشهد عودة إقلاع القطاعات الانتاجية ومعاودة المناطق الصناعية احتضان مشاريعها القديمة التي توقفت على خلفيات ذات صلة بأعمال التخريب والإرهاب الممنهج للمرتزقة والتكفيريين.

ولعل أبرز تلك الملامح على الإطلاق التحسن الذي طرأ على وضع الليرة السورية واستعادة أكثر من 40% من خسائرها خلال أسبوع مقابل الدولار بعد أن تراجع سعر صرفها إلى مستوى منخفض وصل ما بين 310 و315 ليرة بينما كان في بداية العام الحالي يقارب الـ 220 ليرة فقط.

حول بدء التعافي التدريجي لسعر صرف الليرة أمام الدولار وانتعاشها نتساءل: هل في ذلك الارتفاع دليل على قوة العملة ومتانة الاقتصاد؟ أم يعزى ذلك إلى ملاحقة المضاربين وتجار العملة أم انتصارات الجيش في بعض المناطق؟ ثم ما الإجراءات التي اتبعها المركزي- أبو المصارف- ومامؤشرات التعافي؟

الباحث الاقتصادي والمحلل السياسي الدكتور عمار مرهج وضعنا في صورة المشهد وحدثنا بالتالي:

متانة واقتصاد قوي:

تحدث الدكتور مرهج بداية عن ميزات الاقتصاد السوري بشكل عام والواقع الاقتصادي قبل الحرب الغاشمة الحاقدة التي شنت على سورية قائلاً: نبدأ من سياسة اقتصادية كان قد اتبعها القائد الخالد حافظ الأسد تعتمد على عدة عناصر أساسية وهي إلغاء المديونية الخارجية والإبقاء على احتياطات مادية كافية لمواجهة الأخطار والأزمات والحروب بالإضافة إلى تنويع موارد الدولة والاهتمام المتوازي بكافة قطاعاتها الاقتصادية.

وقد لاحظنا بالفعل أن سورية لم تكن مديونة بأي دولار لأية جهة لدرجة أنها في السابق رفضت تسهيلات اقتراض مغرية من أجل ألا تقع في مشكلة الدين وما يستتبعه من تبعية اقتصادية تؤثر بالتالي على القرار السياسي, وتمس السيادة الوطنية, وهذا بالتأكيد مصدر قوة كبيرة للاقتصاد وللبلد. كما لاحظنا أن الاحتياطات النقدية والمادية في سورية كانت كبيرة ومتينة ولا زالت الدولة قادرة على التحكم في مستويات سعر الصرف والتضخم والتدخل الإيجابي حين الضرورة تبعاً للتغيرات الآنية أو الطويلة الأمد وهذه الاحتياطات كانت تشمل الجوانب الأكثر حيوية كالاحتياط الغذائي واحتياط الطاقة والمياه.

أما عن التنويع في المصادر والموارد فالمراقب يرى بوضوح أن الاقتصاد السوري متعدد بطبعه سواء من حيث العلاقات التجارية مع طيف واسع من الدول الشرقية والغربية والآسيوية وحتى اللاتينية, وبالتالي هناك دائماً بدائل في حال حدوث مفاجآت أو من حيث تعدد الموارد كالاعتماد على الزراعة شهدت البلاد نهضة زراعية كبيرة وباتت مصدراً سياسياً للعديد من المنتوجات الزراعية , كما حققت الاكتفاء الذاتي في الزراعات الاستراتيجية كالقمح والحبوب والقطن والزيتون والحمضيات وغيرها , وباتت من الدول المصدرة واندرج ذلك على الثروة الحيوانية.

أو الصناعة بالأخص الصناعات التحويلية فأصبح المنتج السوري يضاهي المنتجات العالمية وأصبحت سورية مصدرة لأوروبا وغيرها وكلنا يعلم مدى فعالية وأهمية المناطق الصناعية في حلب ودمشق وغيرها والتي حققت نمواً سريعاً وتميزاً على الساحة الداخلية والدولية.

كما شهدت البلاد نهضة كبيرة على صعيد الثروات الباطنية وخصوصاً النفط وكان إيراد هذا القطاع رافعة أساسية  من روافع الاقتصاد السوري كل ذلك طبعاً بالإضافة إلى قطاعات أخرى كالسياحة والفنون وغيرها , وقد حققت السياسات الاقتصادية في عهد الرئيس بشار الأسد تقدماً كبيراً وارتفع معدل النمو ومستوى المعيشة في الداخل السوري لدرجة أن الدولة أصبحت تفكر في رفع الضمان الاجتماعي وتعويض البطالة وغيرها,  مما يعني زيادة في مسؤولياتها تجاه مواطنيها وتعويض البطالة وغيرها وقد قامت بالفعل في سنوات 2009 و2010 بتقديم إعانات بطالة على مستوى القطر .

تدمير ممنهج:

كل ذلك كان هدفاً للحرب التي شنت لإركاع سورية و التي تنوعت جوانبها فكانت حرباً على شكل دعم عصابات إرهابية مسلحة وممولة خارجياً ومغطاة لوجستياً, وكانت إعلامية ودبلوماسية واقتصادية أيضاً, وفي الحرب الاقتصادية حاول مخططو الحرب ضرب أركان قوة الاقتصاد السوري فاستهدفوا عن سبق إصرار وتصميم مكامن قوة الاقتصاد السوري وحاولوا النيل من لقمة المواطن السوري وعيشه الآمن , قامت منظومة الحقد والتآمر بفرض العقوبات الاقتصادية وللأسف اشتركت في هذه الإجراءات الغاشمة دول عربية بغرض منع التبادل التجاري والسلعي وتضييق الخناق على المنتج السوري في جميع مراحله, فقاموا ميدانياً بالتخريب الممنهج والمنظم والمتعمد للبنى التحتية للاقتصاد أحرقوا حقول القمح والقطن وصوامع القمح وصوامع التخزين وقطعوا خطوط المواصلات بين المدن السورية ودمروا المنشآت الإنتاجية والمعامل وسرق لص حلب السفاح أردوغان معامل حلب , وما لم يستطيعوا دمروه, وقطعوا خطوط الطاقة والكهرباء وحتى المياه عن مدن كاملة , حاربوا البنوك السورية والتحويلات المصرفية وأعاقوا ما استطاعوا تصدير المنتج السوري , ودمروا بشكل كبير و ممنهج خطوط نقل النفط والغاز , واستولت العصابات الإرهابية على بعض حقول النفط .

و نشأت سوق سوداء تشتري منهم النفط وعلى رأسها دول مثل تركيا وغيرها, طبعاً وفي ظل الفوضى وانعدام الأمن ستتراجع أيضاً قطاعات السياحة والفنون وكذلك سيتأخر تحصيل الضرائب والمستحقات و تزامن كل ذلك مع حرب نفسية و إعلامية هائلة شنت على سورية وبالطبع فإن ذلك لو وقع على أي بلد في العالم فإن اقتصاده سيتضرر ضرراً كبيراً , وستتأخر موارد الموازنة العامة , فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن جزءاً من الموارد سيوجه لتمويل مكافحة الإرهاب و مواجهة الحرب , فإن الضرر سيكون فادحاً  , وسيكون المجني عليه الرئيسي هو المواطن السوري الذي استهدفوه بلقمة عيشه و أمنه .

معطيات جديدة :

الدكتور مرهج بين أن القيادة السورية تدرك منذ البداية أن هذه الحرب تحتاج لنفس طويل , فوضعت استراتيجيات سياسية وعسكرية واقتصادية للمواجهة , واعتمدت في بعض المفاصل تكتيكات خاصة بكل مرحلة , كما اعتمدت سياسة الاحتفاظ بأوراق قوتها و عدم التفريط بها وهدرها في غير مواضعها مع الاستفادة من مكامن القوة , إضافة إلى عدم التعامل بردات الفعل الانفعالية والتي غالباً ما تكون غير صحيحة , وهذا لاحظناه بوضوح في سياسة اقتصادية ذكية , وللمقارنة فقط أطرح مثالاً ما جرى على الليرة اللبنانية في الأزمة اللبنانية وكيف انهارت انهياراً سريعاً  ... أو حتى ما جرى لأقوى العملات في العالم العملة الكويتية عند الغزو العراقي للكويت وكيف انهار الدينار الكويتي حينها , و ما جرى لليرة السورية خلال الأزمة , تأثرت الليرة بالطبع , ولكنها لم تنهار و كان الصمود الأول و الأساسي هو استيعاب الصدمة .

سياسة استيعاب الصدمة :

وهذه كانت أخطر مرحلة وعنق الزجاجة الذي عبرته البلد بمهارة واقتدار , وصمدت أيضاً بفضل الأوراق التي كانت تستخدمها السياسة الاقتصادية السورية وبفضل الاستفادة من مكامن قوة الاقتصاد السوري والتي تمثلت دائماً في إيجاد البدائل , فكان التوجه شرقاً كما قال وزير الخارجية السوري في أحد لقاءاته .

لبوس جديد :

و كان ضبط إيقاع التضخم وسعر الصرف , و كذلك التعامل الحاسم مع المتلاعبين بسوق الصرف  وتجار الأزمات مع إدراك أن وجود هؤلاء هو من طبائع الأزمات الكبرى و كان من الإجراءات الفعالة أيضاً نقل الكثير من الأنشطة الاقتصادية إلى الأماكن الآمنة  وكان الاستمرار بتوفير مصادر الطاقة رغم الحرب و رغم الأخطار و كان الصمود السوري مذهل عاملاً أساسياً في بدء نشوء قطبية جديدة في العالم و إيجاد تكتل سياسي واقتصادي كبير تمثل في منظومة دول البريكس , وما يتبع ذلك من وقوف معسكر الأصدقاء موقفاً حاسماً في دعم سورية بكل المجالات , ومنها الاقتصادية سواء من حيث التبادل التجاري أو الودائع المالية الكبيرة بالعملة الصعبة , كل ذلك ما كان ليمكن أن يتم لولا انتصارات أبطال الوطن الأشاوس المذهلة .

وهذه العوامل مجتمعة أدت إلى إعادة التوازن لسعر الصرف والسيطرة عليه وضبطه واستعادة الليرة السورية لنسبة كبيرة من قيمتها,

إجراءات وجهود :

حول سؤالنا عن الإجراءات التي اتبعها المركزي لضبط سعر الصرف قال مرهج : قلنا أن الدولة لم تتعامل بردات الفعل , وكان التهويل النفسي واستمرار الحرب الاقتصادية مع الدول و الدور السلبي المتعمد أو غير المتعمد للمضاربين وإضافة إلى الأضرار

الكبرى التي لحقت بالاقتصاد من جراء المقاطعة وعمليات السرقة والتخريب كانت مجتمعة وراء تراجع سعر الصرف , وهنا وضعت الدولة  في الاعتبار عدة أمور بغاية الأهمية  أهمها استمرار الدولة بالقيام بواجباتها التنموية والاقتصادية وعلى لأخص مسؤوليتها عن تمويل  الواردات لكي لا تتحول إلى دولة فاشلة فحافظت على احتياطي نقدي مريح , وقامت طيلة الأزمة بتمويل صادرات القطاعين العام والخاص ضمن حدود الاحتياطات والأولويات , مع الحرص قدر الإمكان على اكتمال الدورة الاقتصادية . كما وضعت في الاعتبار ضبط سعر الصرف أيضا ضمن الممكن وتحت السيطرة بحيث لا ينفلت من عقاله ويصاب بتدهور سريع . وبحيث تواجه الحرب الخفية التي استهدفت الليرة السورية بضربات مؤلمة لتجار الأزمة ومضاربي الصرف .

مفاجآت

استطرد د. مرهج : كان ذلك بمفاجآت مربكة أجبرت الخصوم على إعادة حساباتهم . خصوصا أن إجراءات كهذه جاءت خارج حساباتهم وعن غير توقع منهم , ومنها أذكر أنه في عز اشتداد هذه الحرب القذرة , وفي ظل حرب نفسية كبيرة عن قدرة الدولة على تسديد  رواتب موظفيها , قانت الدولة بزيادة الرواتب , أيضا في ظل الحديث عن تدهور سعر الصرف والقفزات الكبيرة في سعر الدولار كانت الدولة تتدخل لتفاجئ الجميع أنها قادرة على تمويل اقتصادها , وأنها تطرح مبالغ من العملة الصعبة للمواطنين ولتمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة , لتعيد الثقة بالليرة والثقة بدور المركزي على لعب دوره الفعال في المواجهة . طبعاً كل ذلك في اطار السياسة العامة  التي كما أسلفنا لم تتعامل بردات الفعل .

مؤشرات التعافي :

أما مؤشرات التعافي – و الحديث للدكتور مرهج – فنلحظها في اكثر من مجال كزيادة طلب الشركات العالمية على الاستثمار في سورية و انخفاض سعر الصرف وفقا لتدخل المركزي و حسب خطة الحكومة و اعادة تفعيل العلاقات الاقتصادية و المصرفية مع عدة جهات كانت قد أوقفتها بسبب الحصار و العقوبات بالاضافة الى عودة العلاقات الاقتصادية السورية و غيرها لممارسة نشاطاتها السابقة أو استئنافها من جديد و توفر جميع السلع اللازمة و الأساسية للاستهلاك المحلي . كما ثبات و قوة موقف المعسكر الصديق لسورية من حيث الدعم الاقتصادي و العسكري و ثبات قوة الخطاب الرسمي السوري في الحفاظ على الثوابت الوطنية و عدم الرضوخ  للاملاءات  الخارجية فضلاً عن افشال معظم محاولات الحصار و العقوبات و تفريغها من جدواها و مضمونها .

ختاماً اختتم الدكتور مرهج بكلمة يرى من خلالها أن التاريخ سيكتب بحروف من نور كيف استطاعت سورية الصمود و الانتصار في أعتى حرب حاقدة مجرمة قذرة عليها . و كيف استطاعت اعادة ترتيب العالم و العودة لتعدد الأقطاب و العودة لخلق توازنات عالمية جديدة ما كانت لتتم لولا الشعب السوري العظيم و جيشها البطل و قيادتها الحكيمة .

 

 

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش