عاجل

الوحدة أونلاين: - د . سليمان الصدي -

 من أجمل ما قرأت لغابرييل غارسيا ماركيز قوله: " الخائب الذي ألقى بنفسه إلى الشارع من شقة في الطابق العاشر، وفي أثناء سقوطه راح يرى عبر النوافذ حيوات جيرانه الخاصة.. المآسي المنزلية.. علاقات الحب السرية.. لحظات السعادة الخاطفة التي لم تصله أخبارها أبداً.. بحيث إنه في اللحظة التي تهشم فيها رأسه على رصيف الشارع كان قد غيّر نظرته للعالم كلياً، وكان قد اقتنع أن تلك الحياة التي هجرها إلى الأبد عن طريق الباب الخاطئ كانت تستحق أن تعاش" في بداية الربيع!! العربي كنا نشاهد على شاشات التلفزة المظاهرات الحافلة بالذين خرجوا إلى الشوارع في حالة هستيرية لاهثين وراء ثورة وهمية بتحريض من الجزيرة وغرف الإعلام السوداء.. وهم يصمّون آذانهم عن أي حديث عن تفسير لما يحدث، أو نظرية مؤامرة. لكن الذي أثار اهتمامنا أن هذه المظاهرات خرجت من المساجد في المناطق الريفية ذات الصبغة المتشددة والتوجه الإخواني السلفي الوهابي، أو الأماكن ذات الصبغة التركمانية التي امتدت إليها أذرع المخابرات التركية منذ أن دخل أردوغان البيت السوري ومُنح الأمان والثقة، فتيقظ لديه الحلم العثماني، وتحول إلى ذئب شرس غادر. وقد تدخل الإعلام المضاد بكل ثقله في بداية المظاهرات، فصورت كاميراته المتقدمة تقنياً أعداد المتظاهرين مضروبة بألف، فصاروا يتحدثون عن آلاف ملأت شوارع سوريا، ثم تحدثوا عن مظاهرات مليونية. وجميعنا يعرف أن المظاهرات خرجت من الأماكن التي أصيبت بفيروس الوهابية عبر المساجد وشيوخ الفتنة الذين تخرجوا في مدارس السعودية، وتشربوا أصول الوهابية. وكانت هذه القطعان الدينية خطرة جداً لأنها دعت إلى التغيير بقوة السلاح منذ البداية. واليوم ونحن نقف على أعتاب الذكرى الخامسة لهذه الثورة المشؤومة نتذكر التغييرات التي أصابتها والمراحل التي قطعتها.. ويفاجأ المتابع أن الرياح قد جرت بما لا تشتهي سفنهم، فالمدن السورية الكبرى ظلت تحت سيطرة الدولة، وظل ولاؤها للدولة، بل انكشف أمام أهلها أن هذه الثورة ليست إلا حركة دينية عنيفة تريد تطبيق الشكل الوهابي العنصري الإقصائي على سوريا، بل تريد تحويل سوريا العلمانية ذات الفسيفساء التعددية إلى ولاية عثمانية ملحقة بحديقة الإمبراطورية العثمانية الجديدة. وكلنا يذكر جمعة الثورة وشعاراتها واكتظاظها بالمتظاهرين، ويرى كيف اختفت اليوم، وبالموازنة بين الصورتين القديمة والحديثة يرى الاختلاف الكبير، فقد فرغت الساحات من الحشود، وانتهت شعارات جمعة الثورة.. فهل أدرك الثوار أن ثورتهم لم يعد لها وجود؟ وهل أدركوا ان جمهور الثورة قد هجرها. وأن كاميراتهم المتطورة قد أصابها العطب؟ إن ما بقي من الثورة المزعومة ما هو إلا بقايا تحتضر، فمن بقي قليل، والقسم الأكبر إما هاجر، وأمات ثورته، وإما تخلى عن الحلم الوهابي العثماني، وإما نأى بنفسه، أو عاد إلى رشده. إن الكثيرين دفعوا حياتهم ثمناً وهم يحاولون السيطرة الجغرافية من أجل أن يفاوض أردوغان وسلمان الحكومة السورية على دمائهم. لقد دفعوا حياتهم كرمى عيون العثماني والسلفي، ودفعوا الثمن دماراً وشتاتاً نفسياً واجتماعياً وعمرانياً. وتظهر الآن جمعة "الثورة مستمرة" على مواقع الثورجيين ليرفعوا علماً مغايراً لعلمي النصرة وداعش المصنفيتن في مجلس الأمن إرهابيتين بهدف التغطية على جوهر الثورة السلفي الوهابي. إن الثورة دينية سواء أحملت أعلاماً خضراً أم سوداً، فلا يهم اللون ما دامت هذه الأعلام مغمسة بدماء الضحايا. فهل يصدقهم العالم بعد أن رأى الجميع مشاهد أكل الأكباد، وقطع الرؤوس، واغتصاب النساء وحبسهن في أقفاص؟ وهل يصدقون وهم يرون إصرارهم على وفد الرياض بوصفه ممثلاً وحيداً لهم؟ لقد أدرك العالم أن وفد الرياض وليد الرياض، فهي التي أرضعته، وكسته. وهل سينجب من تشرّب من ثدي الرياض عبد الناصر أو مانديلا أو غيفارا جديداً؟ أو سينجب المعاقين عقلياً ونفسياً؟ لا ترضع الرياض إلا أشباهها، ولا تنشئها إلا على صفاتها.. إنها ثورة مستمرة لكن في كذبها على نفسها لا على الآخرين. وكأني أسمعهم يرددون: هذا ما جناه علينا أردوغان وسلمان... وما جنينا على أحد! وربما يخطر في بالهم وهم ينزلقون إلى الهاوية ما خطر في بال ذلك الذي قرر الانتحار، فندم في اللحظة التي تهشم فيها رأسه حين رأى حيوات الآخرين.. وأدرك أن نظرته للثورة كانت خاطئة كلياً.. وأن من دفع به من الطابق العاشر قد خدعه خديعة العمر.. وقضى عليه!

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش