عاجل

الوحدة أونلاين:- ابراهيم شعبان – نهى شيخ سليمان-

العقيد يوسف أحمد واحد من أبطال مشفى جسر الشغور الذين واجهوا إرهاب الجماعات المسلحة ومنعوهم من اقتحام المشفى رغم وسائل الحقد وقذائف الموت الجهنمية.

الشهيد الحي يروي للوحدة أونلاين قصة العبور من الموت الحياة وما رافق ذلك من مواجهات جسورة تطلبت البقاء أياماً بلا ماء أو طعام فمن أين يبدأ الحكاية لنتابع ..!

حصار ومواجهات

يقول العقيد أحمد : كنا موزعين على كامل مساحة جسر الشغور كجيش وقوى أمن داخلي وعندما هجم المسلحون بالآلاف انسحبت القوات خارج المدينة وتجمع بعضنا في المشفى ، لم نكن نعرف بداية العدد الذي وصل المشفى كنا من وحدات مختلفة، وكان بإمكاننا الانسحاب إلى الوراء، لكن الارادة الجمعية لكل من وصل المشفى التقت على رغبة أن نجعل من المشفى محطة مضيئة في سياق المواجهات مع المجموعات المسلحة، ويتابع العقيد أحمد : ما إن وصلنا المشفى حتى بدأ هجوم المسلحين ، لم نكن قد نظمنا أنفسنا بعد ، تمكنوا من حصار المشفى وبدأت مواجهات لم تنقطع طيلة مدة الحصار ، وهنا أود أن أقول والكلام للعقيد أحمد : إن الذين بقوا في المشفى كان خيارهم البقاء وليس الانسحاب ، كان العدد ينوف قليلاً عن 300 مقاتل ومعهم أكثر من 100 مدنيين.

لم نكد نجمع بعضنا بعضاً حتى تعرض المشفى لهجوم من كل الجهات وقد استبسل الجميع في الدفاع عنه وتمكنا من إفشال الهجوم .

- ما الأسلحة التي كانت بين أيديكم ؟.

هي أسلحة فردية ، بنادق ، آر ب ج، رشاشات عيار 14,5 ملم ومستودعات ذخيرة كافية علماً أن المشفى لم يكن محصناً سوى ببعض أكياس من الرمل، منذ اليوم الأول انتشر القناصون في الأبنية المجاورة ، وبدأوا علينا رمايات الهاون ومدافع جهنم وهذا كان طقس يومي وفي كل الأوقات.

بعد أسبوع من فشلهم كانوا قد أعدوا لهجوم كبير ، حيث ومنذ الصباح بدأوا بقصفنا بالهاون تمهيداً للهجوم ، بعدها تقدمت عربة قمامة مفخخة ، لكن أحد عناصر حامية المشفى تصدى لها بالآ ر بي ج وفجرها قبل وصولها إلى كتلة المشفى بحوالي 150 متراً ، تأثر البناء لكن أحداً من الحامية لم يصب بأذى ، استمر الهجوم ثمان ساعات متواصلة ، استبسل الجميع وفشل الهجوم ، كانت خسائرنا شهيداً وأربعة جرحى ، بعدها تسللوا إلى سطح العيادات الخارجية الملاصق للمشفى وكان مبنى العيادات نقطة الضعف ، كان قوام المجموعة المتسللة خمسة ارهابيين صورتهم المحطات العدوانية على أنهم اقتحموا المشفى، وهؤلاء تم القضاء عليهم كاملاً .

إرادة الحياة هزمت الموت    

حدثنا عن ظروف الحياة داخل المشفى وكيف كانوا يؤمنون سبل البقاء أحياء في ظروف انقطع بها الماء والهواء والغذاء قائلاً : بالمصادفة اهتدينا إلى بعض موارد المياه التي سرعان ما أوقفوا الضخ بها ، كما واهتدينا إلى خزان لم يكن بالحسبان ، وآخر كان مخصصاً للغسيل ، كما وكنا نقوم بأعمال فدائية وذلك بالتوجه إلى الأبنية القريبة لاستقدام المياه في كالونات (20) ليتر ، وجميع البيوت التي كنا نستقدم منها المياه كانت غير مسكونة فقد هجرها أصحابها بفعل القصف اليومي.

محاولات أخرى فاشلة

بعد فشل الهجوم الأول أعدوا لهجوم ثان وثالث كانت مدة كل منهما ثمان ساعات حيث أتوا بثلاث عربات مفخخة ، الأولى تعطلت على الطريق ،والأخرى هاجمت الباب الرئيسي وانفجرت بالقرب منه ، والثالثة فجرناها، العربة التي تعطلت كانت عربة ب م ب تحركت باتجاهها مجموعة الهندسة لدينا ليلاً وقامت بتفكيكها وسحبت منها قنابل تزن الواحدة ما يقارب 23كغ لكن بقي بها خزانات كبيرة مفخخة لم نتمكن من تفكيكها وبقيت تشكل خطراً علينا.

بعد ذلك توقفوا عن الهجوم وبدأوا برمايات الهاون والقصف من بعيد ، كما وبدأوا بحفر نفق يوصلهم إلى المشفى وكنا نسمع بآذاننا آليات الحفر ومع ذلك بقينا صامدين ، وعندما اقترب الحفر كثيراً طلبنا بتدخل الطيران والقصف وكان الجواب إن ذلك صعب للغاية نظراً لقرب الحفر من المشفى لكن مهارة الطيار الذي قام بالقصف كانت فوق حدود التصور والطيار نفسه تحدث عن ذلك بالقول كان ذلك أصعب مهمة نفذتها بحياتي ، حيث قام بضرب هدف معاد يبعد 50 متراً عن قوات صديقة ،ومع ذلك لم يتوقفوا عن متابعة حفر النفق، وتابع العقيد أحمد قائلاً : لولا الخوف من تفخيخ المشفى لكان لنا قدرة على الصمود طويلاً .

ليلة مغادرة المشفى

بعد أن تكشفت نوايا الإرهابيين وتأكدت أعمال الحفر داخل كتلة المشفى جاءت التعليمات بأن نخلي المشفى في الثامنة من صباح يوم الجمعة ، وذلك تحت غطاء من القصف الجوي والمدفعي ، كان القصف قوياً جداً وعندما جاءت الإشارة من القوات الصديقة بدأنا بمغادرة المشفى عبر ثلاث مجموعات هي : مجموعة المقدمة، والمجموعة الثانية كان قوامها الجرحى والمدنيين،ومجموعة المؤخرة.

ويتابع العقيد أحمد : رغم كثافة القصف الجوي والمدفعي انهال علينا رصاص القناصة منذ الخطوة الأولى لخروجنا المشفى ، استشهد العديد منا ومع ذلك تابعنا المسير، كنا نحاول تفادي رصاص الغدر عبر الاحتماء بأبنية مهجورة ، ولأنني كنت مصاباً قبل أيام، لم أستطع مجاراة رفاقي في المسير، حيث أنني كنت قد أصبت بطلقة قناصة متفجرة ، انفجرت بين أصابعي واستقرت في الخاصرة ، لأن وضعي هكذا تأخرت عن مجموعتي وكان معي أحد العناصر طلب مني أن أوافق على أن يبقى معي لنسير سوية ،أذكر أنني اتصلت بزوجتي ، وأخبرتها بخروجنا وأنني في البراري ، تابعنا المسير بحذر لكننا فوجئنا بعصابة مسلحة تقدم منا أحد المجرمين شاهراً سلاحه قائلاً: سلّم نفسك ، كنا في منطقة مرتفعة قليلاً وهم في منطقة أخفض وسط كرم من الزيتون ، وعلى الفور استخدمت سلاحي وقتلت المتقدم منهم ، ورمى العنصر الذي كان بجانبي قنبلة باتجاههم وأخلينا المكان بسرعة مجنونة إلى أن وصلنا ساقية ماء مشينا بجوارها قليلا، وعند تقاطع ساقيتين استرحنا تحت شجرة دلب وشربنا الماء لأول مرة واستقرينا حتى غياب الشمس ، بعدها تابعنا سيرنا حتى العاصي ، وبعكس جريان المياه سرنا سيراً حذراً مع الترقب الدائم لأية حركة أياً كان مصدرها مع التركيز على الصوت ، أذكر أننا وصلنا إلى جسر نهر العاصي وشاهدنا تحته أضواء باهتة ،تبين أنهم مجموعة من المسلحين، حينها تراجعنا 200 متر وقطعنا النهر ما أدى إلى خروج أجهزة الموبايل التي بحوذتنا من الخدمة بسبب تبللها بالماء ، المسلحون شعروا بالحركة فخرجوا يراقبون المكان ، كنا قد قطعنا النهر وسرنا بصعوبة إلى أن وصلنا إلى مقلع وشلالات مياه ، بدأنا نترقب المكان فوجدنا ضوءاً خافتاً من بعيد يتعقبنا فانبطحنا أرضاً ، كان الجو بارداً وألبستنا مبللة بالماء والجوع قاتل، وكان الصبح قد قارب على الانبلاج ، كنا نراقب الضوء الخافت فلم يتحرك ، وتبين بعدها أن المسلحين قد علقوا ذلك الضوء على جذع زيتونة لإخافة من يعبر المنطقة ،تابعنا سيرنا بسرعة بين أحجار بازلتية وطرق صعبة ، وعندما طلع الصباح كنا قد وصلنا إلى مكان فيه بركة ماء وشجرة سرو كبيرة ، شربنا من البركة واختبأنا في مكان قريب إلى المساء لأن الحركة كانت متعذرة نهاراً ، ولأن المسلحين كانوا قد انتشروا في كامل المكان يتصيدون من يشاهدونه رغم أن الطيران لم يغادر الجو.

كنا نسمع أصوات المسلحين على مسافة قريبة منا ونحن نلزم الصمت المطبق ، كانوا إذا شعروا بوجود أحد منا تتكالب عليه السهام الغادرة ، كان سيرنا يتطلب الحذر أكثر من العجلة ، أذكر أنه أثناء سيرنا ليلاً فوجئنا بحقل مزروع بالخيار كنا قد أمضينا ثلاثة أيام بلا طعام ، أكلنا الخيار وأخذنا ما نستطيع منه ، كم صادفنا جثث أصدقاء وزملاء لنا كانوا قد سبقونا وتصيدهم المسلحون ، كم كنا نقضي وقتاً طويلاً لنجتاز مسافة قصيرة نظراً لوعورة الطريق وحركتنا بين الصخور.

 في سيرنا وصلنا إلى منزل مهجور تقدمنا مسافة 500 متر بدأنا نسمع رصاص قناصات ، وطلقات خطاطة ، انبطحنا أرضاً لمدة ربع ساعة وزحفنا إلى جرف صخري بجانبه بضعة شجيرات ، اقتربنا لنختبئ فانبعثت من المكان رائحة الجثث ، عدنا ادراجنا من المكان إلى مكان آخر فيه غرفة مهجورة واسطبل وبجانبهما خزان ماء شربنا منه ، وفي المكان وجدنا شخصين وقبل أن استخدم سلاحي صرخا يا سيدي نحن عساكر، عرفت أحدهم كان معنا بالمشفى وكان مصاباً ، كان مع أحدهما سلاح أخذه من جانب جثة على الطريق ، انضموا إلينا وقدموا لنا خبزاً يابساً ، بقينا في المكان إلى التاسعة ليلاً ، لم نستطع التحرك بسبب سطوع القمر لذلك كانت حركتنا بعد الثانية عشرة ليلاً ،تابعنا السير باتجاه الجنوب وعلى يسارنا نهر العاصي ، وصلنا إلى قرية لم نعرف إن كانت مع المسلحين أم لا ، وعلى مقربة من البيوت جاءت باتجاهنا طلقات خطاطة ، لذا تراجعنا قليلاً إلى حفرة قريبة بجانبها جرار زراعي وخيمة لا يوجد بها أحد ، جاء مسلحون إلى المكان لسرقة الجرار وذهبوا لأنهم لم يستطيعوا تشغيله لكنهم عادوا بعد نصف ساعة فاضطررنا إلى تغيير المكان ، انطلقنا ليلاً في مسير سريع حتى أن العسكريين اللذين انضما إلينا تململا كثيراً ويأسا من إمكانية النجاة ، ومن المحطات الخطيرة في رحلتنا هي أننا وبعد أيام كنا مضطرين لقطع النهر وكنا قد دخلنا بيتاً مهجوراً وجدنا به حبلاً قد يساعدنا في العبور إلى الضفة الثانية ، لكن وفي المكان وجدنا مسلحين اثنين ، سألنا أحدهم من أنتم ؟! وسمعت آخر يجهز بندقيته ، وعلى الفور فتحنا النار عليهم وتحركنا منسحبين من المنطقة ،ومن المحطات الأخرى أننا تهنا عن الطريق وكلفنا ذلك مسير يوم ونصف اليوم إضافيين ، في اليوم الأخير وبعد أن أعيانا التعب جلسنا نستريح بين حقول القمح ، كانت الشمس حارة والحشرات الزاحفة والطائرة تملأ المكان ، كان بالقرب منا منزلاً مهجوراً قرر أحد العساكر الذين كانوا معنا الذهاب إليه ومشا بشكل طبيعي كأن لا شيئ يخيفه وتابع سيره بعيداً عنا ولم يعد .

حبل الخلاص

ونحن بالانتظار شاهدنا سبعة أشخاص قادمين باتجاهنا ، أخذوا ينادون باسم ياسر وهو الجندي الذي رافقني في رحلتي تبين أنهم جنود من الجيش العربي السوري ومعهم رفيقنا الذي غادرنا ولم يعد ، حاولت أن أتأكد من وضعهم فتبين أن معهم ضابطاً برتبة نقيب ولم يكن معهم سلاح ، بعد أن وصلوا إلينا طلبت هوياتهم فضحكوا ، حملوني وأعلموا الجهات المختصة بذلك ، أخذت هاتف أحدهم المحمول وبدأت الاتصال وبدأت تنهال علينا اتصالات التهنئة ...

كلمة لنا:

استمعنا إلى حكاية أحد أبطال مشفى جسر الشغور وكل كلمة من الحكاية فيها دمعة وغصة ، وفيها أيضاً نبض البطولة والتضحية والمواجهة ، كما وفيها الإيمان الراسخ بأن إرادة الحياة لا بد منتصرة .

الحمد لله على سلامتك وسلامة رفاقك والرحمة كل الرحمة لمن قضوا شهداء عند ربهم يرزقون..     

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش