عاجل

الوحدة أونلاين: - ابراهيم شعبان -

دفعتنا الأزمة في جانبها الاقتصادي لنبش دفاترنا العتيقة وأشيائنا المنسيّة تماماً كالتاجر المفلس يفتّش في دفاتره القديمة .

لم تعد تفرحنا الأعياد ، صارت تمر كباقي الأيام رتيبة ً لاطعم بها ولا لون ، أعيادنا لم تعد مناسبة للفرح ، أعيادنا تمّر حزينةً يتبادل بها الناس عبارة كل عام والوطن بخير والأزمة إلى زوال.

في الجانب المادي لسان حالنا يقول في كل عيد : عيد بأيّة حال عدت ياعيد ، الدمعة في عيوننا صارت أكبر من مساحة الأجفان والكل يردد جملة الماغوط الشهيرة ( الفرح ليس مهنتي ).

كل شيء في حياتنا انقلب ، تغيرت حالنا وأحوالنا بفعل تدني مستوى القوة الشرائية ، اضطررنا نحن عباد الله الذين  لا دخل مشبوهاً لنا إلى حالة من التوفير القسري ، عدنا مرغمين إلى أشيائنا العتيقة نرمّمها ونرقّعها وننفخ الحياة فيها بعد الموات.

فجأة نشطت مهن كانت منسية ، وفجأة انتعشت جيوب مهنيين بعد خواء، الكل يفرض أجورًا لايعرف خطها البياني نقطة يركن إليها .

في حارتنا توزع عدد من الاسكافيين كما توزع مهنيون آخرون ، قصدت جارنا الاسكافي لترميم حذاء كنت أحلته للتقاعد منذ سنوات ، قلت في نفسي أجري له بعض الّترميم مع بعض التحسين عسى يبدو جديداً فهو ما زال قابلاً للاستخدام وستر عري القدمين .

بعد أيام قصدت الاسكافي لاستلام الحذاء ، على الفور باغتني بالقول : حذاؤك عاد جديداً .. لقد انتشلته في الرمق الأخير ، فردة في القبر وأختها بجانبها ، ركّبت له نصف نعل بلدي ودرزت البوز وزّودته بحزام كخطّ دفاع أماميّ ، ودعمت له الكعب كخط دفاع خلفيّ وبين المسمار والمسمار دققت مسماراً آخر كما ترى .. قلت له : ألهذه الدرجة كان حذائي استوك ..قال : أكثر من ذلك ولأنني أحترم حقّ الجيرة يكفيني منك 850 ليرة سورية وأردف : كل شيء نار ويحرق الجيوب ويكوي صاحب العيال فالدولار اليوم يركب عجلات على طريق منزلقة وأتحفني بمحاضرة في الاقتصاد ورأس المال وتناسى أنّ رأس المال مخافة الله .

قلت سأقدم لك هذا الحذاء هدية ..قال : سبقك إلى ذلك جيران آخرون ولم أقبل هديتهم .

في اليوم الثاني رويت الحادثة لزملاء العمل ، كل نظر في الآخر وابتسم ولسان حالهم يقول : تعيش وتاكل غيرا .. لكنني اكتشفت أنهم جميعا  شربوا من كأس أمرّ .

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش