عاجل

الوحدة أونلاين: -ابراهيم شعبان -

عندما زرت ((بيشاور)) في عام 2008 ضمن وفد إعلامي سوري  لم أكن أعرف عن ذلك الإقليم المتموضع في الشمال الغربي من باكستان على الحدود الأفغانية سوى أنه الجغرافيا التي تعيش فيها قبائل الباشتون الموزعة في السهول وعلى سفوح جبال تورا بورا الشهيرة.

بعد سنين وبحكم ما أفرز الربيع العربي من حقائق وعجائب مرعبة اكتشفت أنه في تلك البيئة الفقيرة التي زرتها يوماً نمت كل الأصوليات التكفيرية التي شكلت خزان تغذيةٍ لكل جبهات الجهاد في العالم.

بالعودة إلى تاريخ الحركات الأصولية التكفيرية و(الجهادية) تبين أن بيشاور ومنذ عام 1980 كانت بوابة الجبهة الأفغانية ومدرسة الأفغان العرب الأولى كما وكانت أكبر سوق حرٍ للشباب العربي وغيرهم من المجاهدين الذين تقاطروا على بيوت الضيافة (بيت القاعدة وبيت الأنصار)

وعلى المعسكرات أيضاً وهناك تلقوا محاضراتٍ حول تأصيل مفاهيم الجهاد وقضية الولاء والبراء وغيرها من القضايا المحورية في فكر المنظمات الأصولية, إضافة إلى التدريبات العسكرية قبل دفعهم إلى ساحات القتال في مواجهة التواجد السوفياتي هناك وتحت عناوين الجهاد المقدس ضد العدو الشيوعي الملحد وذوداً عن حياض الإسلام.

 كل ذلك بتعاونٍ استخباراتي أمريكي- باكستاني قضى بأن تأتي كل امدادات التسلح والتدريب والتمويل للمقاتلين عبر باكستان لإسقاط عدو أمريكا التاريخي (الاتحاد السوفياتي) بالضربة القاضية.

وكان لأمريكا ذلك لكن الوحش الذي ربته ورعته هناك تحول غولاً يفترس البشر والحجر ويحاول إعادة الحياة على دائرة التصحر.

وعودٌ على بدء... لا أعرف كيف تزاحمت الأسئلة القلقة التي أقلقتني وأنا في طريقي جواً من لاهور عاصمة باكستان الثقافية إلى بيشاور عاصمة الأصولية والإرهاب الفكري.

عبثاً حاولت تبديد قلقي إلا أن شيئاً خفياً كان يعيدني إلى حالتي كلما اقتربت الطائرة من الهبوط.

المترجم الباكستاني المكلف بمرافقة الوفد الإعلامي السوري أخرجني من حالتي عندما باغتني بسؤال: كيف استطاعت أمريكا تسويق تهمة الإرهاب ضدكم واعتبار بلدكم من مجموعة الدول المارقة؟ قلت: الإرهاب سلاح أمريكي يرفع في وجه كل دولةٍ ترفض سيادة أمريكا عليها, أما الدول المارقة فهو مصطلح أمريكي أيضاً لتحديد مقدار الابتعاد والاقتراب عن واشنطن.

الجواب فتح بوابات العبور إلى حوار عن الإرهاب والحركات الأصولية التكفيرية التي تحولت الآن إلى أداة إرهابية وإلى منظمات وخلايا مستيقظةٍ وليست نائمة تنتقل من حضن استخباراتي إلى آخر لتنفيذ أجنداتٍ عدوانيةٍ.

البرنامج تضمن زيارة الحدود الأفغانية التي وصلناها عبر معبر خيبر الشهير الممتد على طول 30 كم مخترقاً جبال تورا بورا الشهيرة أكثر.

على جانبي المكان وعلى امتداد الرؤية تصدمك بدائية الحياة حيث الفقر والحرمان يقفان على كل أبواب البيوت الطينية ولا شيء مزدهر هناك سوى المدارس الدينية الإسلامية التي نمت في بيئة المكان مولدةً حالة من التعصب والتكفير تقوم على  قاعدة ( من ليس معنا فهو عدونا

قصص وحكايا كثيرة سمعناها هناك عن حياة سكان الإقليم وكيف أصبح خزاناً للأصوليين والتكفيريين ومنبعاً للفكر الإرهابي  وغير ذلك الكثير إلا أن حكاية واحدةً استوطنت تلافيف ذاكرتي هي حكاية عندليب بيشاور ذلك الشاعر العظيم (عبد الرحمن البيشاوري) الذي عاش في القرن السابع عشر الميلادي مخلفاً أشعاراً تحفل بالغناء والموسيقا والرقص وكل جماليات الحياة في العشق والوجد الصوفيين.

يقال أن ضريح الشاعر في بيشاور لم تفارقه الخضرة ولم يهجره الربيع ولم تجف زهور النساء العاشقات المقبلات على الحب, كما أن الرجال كانوا يزورونه كصديق لقلوبهم العاشقة.

بعد قرون ثلاثة أقيمت بجانب ضريح الشاعر مدرسة أصولية إسلامية فرخت كمثيلاتها الإرهاب التكفيري الذي تحوّل إلى إرهابٍ مسلح طالبان- القاعدة

طلاب المدرسة والقائمون عليها لم يقبلوا أن يكون أحد جيرانها ممن تزوره النساء والصبايا ويضعن الزهور على قبره ويتباركن بصوته القادم من عمق ثلاثمئة عام دافئاً وحنوناً فبدأ الهجوم المتواصل على الزوار بالعنف المتعدد الألوان والأشكال وعندما لم تجدِ تلك الوسائل العنيفة قروا إزالة الضريح وتخريب المكان وهكذا قتلوا الشاعر مرتين لكن المحزن أكثر في الحكاية  هو إقدام زوج على قتل زوجته لأنه ضبطها متلبسةً بجريمة احتضان ديوان الشاعر, والديوان مذكّر وبالتالي تكون الزوجة قد ارتكبت جريمة الزنا المجازي وعليها استحقت القتل.. فهل يستطيع عقلٌ على الأرض أن يتصور إلى أي منزلقٍ يقودنا إليه هؤلاء؟ 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش