عاجل

 

 

 


الوحدة أونلاين :
ابراهيم شعبان

لا أدري ما الذي دفعني لإعادة قراءة كتاب الديمقراطية في أمريكا لألكسي دو توكفيل بعد أن كنت قرأته قبل ثلاثين عاماً ضمن مجموعة  (أمهات الكتب السياسية) التي تبدأ بالأمير لميكافللي وتنتهي بالدولة والثورة للينين والتي ترجمها إلى العربية أستاذنا المرحوم جورج صدقني وشجعنا نحن طلابه لقراءتها.

توكفيل صاحب النبوءة الأعظم في تاريخ النبوءات السياسية فهو كتب عام 1840:يوجد على سطح الأرض شعبان عظيمان انطلقا من نقطتين مختلفتين وتقدما إلى الهدف نفسه هما الروس والأمريكان. شعبان كبرا في الظلام بينما كانت أنظار العالم مشدودة إلى مكان آخر، هذان الشعبان مرشحان بخطة خفية من العناية الإلهية أن يمسك كل منهما بيده مقدرات نصف العالم. أصحاب الفكر السياسي يعترفون بنبوءة توكفيل ويؤكدون بأنه لو لم يكتب في حياته  سوى ذلك لأعتبر من أهم الكتَّاب السياسيين في العالم.

 نبوءة توكفيل صدقت بعد أكثر من مئة عام حين انقسم العالم إلى معسكرين متناقضين، أمسك الروس بالأول، والأمريكان بالثاني تحت ما يسمّى بالثنائية القطبية.

في كتابه الديمقراطية في أمريكا يقول توكفيل: إن الشعب الأمريكي يهيمن على عالم  السياسة كما يهيمن الله على الكون، إنه علة كل شيء وغاية كل شيء، كل شيء يخرج منه، وكل شيء يصب فيه.

كنت ككل الذين قرأوا الكتاب مشدوداً إلى تلك الديمقراطية حيث الإنسان غاية كل غاية.

 ما قرأناه في كتاب توكفيل لم نجد مرتسماته على الأرض التي استباحتها أمريكا بعد أن دان لها العالم عبر ما سميَّ الأحادية القطبية ومعها بدأت سلعة الديمقراطية الأمريكية تجوب بلدان العالم على  سروج الصواريخ العابرة للقارات، وحاملات وسائل الموت والدمار وقطعان الدبابات التي ضاقت بها صحراء العرب كما أماكن أخرى عديدة.

العالم كل العالم وقف مشدوهاً بالكيفية التي توزع فيها أمريكا ديمقراطيتها التي لا تملك مقومات الحياة ولا تنمو وتتنفس إلا في بحر متلاطم من الهيجان والرعب والوعيد.

باسم الديمقراطية بشَّرت بنهاية التاريخ، وباسم الديمقراطية أعلنت حرباً ضروساً استباقية ضد دول لا تعترف بزعامة أمريكا عليها ونشرت فوضاها الخلاقة في كل العالم، وأضرمت نار الأثنيات والأديان، واعادت البشرية إلى ما قبل القرون الوسطى عبر حرب الأصوليات.

أحد رؤسائها حط عليه الوحي فجنّد الفضاء الإعلامي لتبليغ الرسالة رغم أن العالم يعرف أن زمن النبوءات انتهى.

دور أمريكا في تخريب العالم وزعزعة استقرار الدول التي تقول لا لديمقراطية معلبة مستوردة لا تملك اكسجين الحياة -دور أمريكا- هذا لم ينقطع ولا زال مستمراً.

من أجل استنبات الديمقراطية في العراق قتلت ما يزيد عن مليون، وشردت ملايين موزعين على أرصفة العالم، ولن نتحدث عن افغانستان والصومال وليبيا وغيرها، واليوم  تحاول استنساخ تجربتها ونقلها إلينا والهدف كما تدعيّ أخلاقي ومن أجل الشعب السوري وترويضه بالديمقراطية.

ألم نسمع أحد أهم حلفائها (فرانسوا أولاند) يصرّح قبل أيام لقناة فرنسا (1) أن الحرب الدائرة في سورية هي حرب من أجل الديمقراطية.

الشعوب لها ذاكرة حية لا يوقف نبضها غطرسة القوة وهي تعرف أن الديمقراطية هي قوة للشعوب وعامل من عوامل منعتها وازدهارها وهذا لم يكن في يوم من الأيام هدفاً أمريكياَ أو مسعى أمريكي.

 

 

 

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش