عاجل

 الوحدة أونلاين :إبراهيم شعبان

لفتني خبر قرأته في صحافتنا المحلية مفاده: أن اللاذقية تجود على مكب البصة بكمية تزيد عن 520 طناً يومياً يتصدى لجمعها فصيل من العاملين مع آلياتهم ومستلزمات عملهم.

الخبر قادني لعقد مقارنة مع كلام كنت سمعته قبل أكثر من عشر سنوات من مسؤول محلي صيني يوم كنت في زيارة لجمهورية الصين الصديقة.

كلام المسؤول الصيني لا يزال حاضراً في ذاكرتي، حيث استفاض في تقديم صورة مشرقة عن مدينته بكين التي تخلو شوارعها من حاويات القمامة رغم أن عدد سكانها يزيد عن عدد سكان سورية مجتمعين، إذ لا قمامة مصروفة من البيوت، أو المطاعم، وعندما سألته عن السبب رد بدعابة خبيثة: الصينيون يأكلون كل ما يعوم ما عدا السفن، وكل ما يطير ما عدا الطائرات، وكل ما يزحف ويعدو ويدب على الأرض ما عدا الإنسان.

الرد يحمل في طياته إشارة إلى ثقافة ليس الهدر من مفرداتها أو معانيها، ولا محل له من الإعراب في قواعدها وأصولها.

كلام المسؤول الصيني كان ولا زال يحرض لديًّ مواجع الذاكرة المثقلة بعشرات المشاهد والصور والحالات عن ترف استهلاكي أو ما يمكن تسميته ثقافة استهلاكية لا تجنح إلى ثقافة أخرى مماثلة اعتدنا عليها أينما كنا وكيفما حللنا.

في صحيفة سورية قرأت عن شاب سوري سافر إلى ألمانيا للدراسة وعقب وصوله دعاه زميل سبقه إلى هناك لغداء ترحيبي في أحد المطاعم مع بعض الأصدقاء، وجرياً على عادة وتقاليد الكرم عندنا طلب صاحب الدعوة كمية كبيرة من الطعام لم يستهلك المدعوون خمسها.

عندما همَّ الضيوف بالانصراف سمعوا مجموعة سيدات متقدمات في السن يتحدثن عنهم باستياء واستخفاف شديدين، ولما استفسر المضيف عن الأمر تبين أن السيدات منزعجات بسبب ما تركه الضيوف من طعام.

قال صاحب الدعوة مخاطباً إحدى السيدات: لقد دفعت ثمن الطعام من مالي الشخصي، عندها ردت عليه بغضب شديد وأبلغته أن هدر الموارد هو انتهاك للقانون وطلبت على الفور ضابط التأمينات الاجتماعية الذي حضر ونظم ضبطاً بالواقعة، بعد أن أعلم صاحب الدعوة بلهجة صارمة قائلاً: المال لك لكن الموارد للمجتمع، وكان عليك أن تطلب كمية الطعام التي تكفيك وأصدقاءك فقط.

هذه الأيام حيث تعصف الأزمة بتلافيف عقولنا تتجلى صور هدر الموارد بما يمكن تسميته (ذعر استهلاكي) قوامه الاستحواذ على كل أنواع السلع التي يأخذ معظمها طريقه إلى حاويات القمامة، مشاهد الأفران قبل أيام كانت الدليل الأسطع الذي يلخص الحالة، أحد القائمين على إدارة المخابز العامة أبلغني أن ما ينتج في سورية من الخبز يومياً يزيد عن مثله في تركيا رغم الفارق الكبير بعدد السكان.

لكن أحداً منا لا يقف عند حاجته فقط، وما ينسحب على الرغيف ينسحب على منتجات أخرى تعكس مقدار التخلف في عاداتنا الاجتماعية وثقافتنا الاستهلاكية.

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش