عاجل

 الوحدة أونلاين :  - ابراهيم شعبان-

من يقرأ (ديك ومائة مليون دجاجة) للكاتب الكبير محمد الماغوط يرى بالعين المجردة دون الحاجة إلى مناظير أن الزمن العربي تحجّر، وأن دورته توقفت عند عقود من الجهل والتخلف والانحطاط، وأن أيامه تعيد نفسها بكثير من التشابه والتطابق حتى في التفاصيل لدرجة يمكن معها القول: ما أشبه اليوم بالبارحة.

الكتاب أضمومة من مقالات مضى عليها ما يزيد عن ثلاثة عقود نشرت في محيط أحداث عاصفة رصدت الواقع العربي ومجريات الحياة العربية ودعت كل عربي كي يصرخ من الألم والخيبات، لكنّه الصراخ الذي يرسم إشارة التغيير والعودة إلى الينابيع الأصيلة التي تمكّن كلٌّ منا أن يساهم بإزالة ما علق بثوب الأمة الأبيض من  أدران حملتها رياح عاتية غربية استهدفت الأمة بحاضرها ومستقبلها وحتى بماضيها كي لا يجد المواطن العربي مسنداً له.

يقف الماغوط  في (ديك ومائة مليون دجاجة) خلف مجهر الأحداث يراقب حركة المجتمع اليومية وتجاذباتها وتناقضاتها وتقلباتها ويصورها بحقائقها المادية الملموسة دون تزييف أو تزويق، ومن عمق المعاناة يصرخ:

لا تكن ودوداً فهذا زمن الحقد.  لا تكن وفياً فهذا زمن الغدر. لا تكن نقياً فهذا زمن الوحل. لا تكن عاطفياً فهذا زمن الجليد. لا تكن موهوباً فهذا زمن الحضيض. لا تكن شجرة  فهذا زمن الفؤوس. لا تستجر بصديق أو جار أو قريب فهذا زمن التنكر والمتنكرين.

ويعود لطرح السؤال: الإنسان الذي لا يستطيع إلا أن يكون ودوداً ووفياً وبريئاً ومتسامحاً وطفلاً ماذا يفعل؟!

لينتهي إلى حقيقة تقول لا مفر من أن نظل ودودين وأوفياء وصادقين وشامخين فمهما كانت السيوف طويلة فهي لن تكون بطول الزمن.

وفي غمرة المشاكل اليومية والنزاعات الطائفية التي تأكل كل جميل في حياة العرب لم يقف الماغوط غافلاً للحظة عما حل ويحل بأمته من مصائب وويلات بخاصة وأنه كان شاهداً ومراقباً لحركة الدول الكبرى والصغرى التي تغذت ولازالت على ما تبقى من تاريخ أمته وسيادتها وكرامتها كما يتغذى العلق على الدم، ونراه ينصرف إلى ضميره يجمع المعلومات ويتقصى الحقائق ليشخّص الأسباب التي أوصلت الأمة إلى هذا الطريق المسدود حضارياً وسياسياً يقدمها إلى المواطن العربي بقالب فكاهي: معظم الأمم كانت جائعة فشبعت، جاهلة فتعلمت، مستعبدة فتحررت، مضطربة فاستقرت، متوحشة فتمدنت، إلا نحن العرب كنا متخمين فجعنا، متعلمين فتخلفنا، مستقرين فتشردنا، متطورين فتحجرنا، متمدنين فتوحشنا.

في صحراء الأمة وفي عتمة مظلمة أنار الماغوط شمعته داعياً إلى الانطلاق والانعتاق من أمراض موهنة أوصلت الأمة إلى حالة الموت السريري، ولأن المرض لازال جاسماً على صدر الأمة نقول للماغوط الذي لازال بيننا: لولا بقية من إيمان وأصالة من تراث وروح استشهادية وجهادية تستعصي على الانحناء والارتماء لكانت الأمة انتقلت من موتها السريري إلى موتها المعلن.

 

FaceBook  Twitter  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش