عاجل

الوحدة أونلاين/ رنا رستم/

أمام قامة أدبية كزينب الخير يحار المحاور من أين يبدأ في التعريف بصاحبة تلك القامة ،و بنتاجها،وبصماتها على الساحة الإبداعية الأدبية ، فهي وقبل أن تكون قامة في ميدان الإبداع والأدب هي قامة إنسانية تجمع في شخصيتها ملامح القيم والأصالة .  في دردشةٍ صباحية جمعتنا على فنجان قهوة كان هذا اللقاء الذي عكس عفوية المحاور وشفافية وتواضع ضيف الحوار .ولأن الضيف مشدود إلى بيئته الريفية حيث لازال الريف-  الذي شهد مولده  وتفتح وعيه- يعيش داخله ، فقد طغى دفء الحياة الريفية الماضية  على أجواء الحديث الصباحي ومنه بدأت الأديبة الخير الحديث عن أثر الريف في كتاباتها بالقول :  أنا لا استطيع تحديد أثر الريف في كتاباتي ، هو شيء يتغلغل في الوجدان ،كالفرح..  لا تعرفين من أين ينبع ، كالأسى لا حدود لخيمته حين تنتصب أوتادها في مزاجك ،    كالعطر يحتل كل مراكز الحس الشمي إذ يعبق ...ذكرتِني  الآن  ببيت للشاعر الكبير سليمان العيسى يقول فيه:" الريف يغسلني ، كالطفل يجعلني ....حراً كهذي النسمة الوسنى تغلغل في دمي"هذا هو الريف ؛ فضاء مفتوح يدعو القلب للانفتاح ،وطبيعة حرة ، تبدل كل يوم ثوباً  و تدعو العقل لتغيير أثوابه فما من شيء ثابت في الحياة سوى أنها متغيرة...ولكل ثوب جماله.كان بيتنا يحمل بين جدرانه الحجرية السميكة تفاصيل عز قديم ... يتكئ منفرداً على ذراع تلة صغيرة و يمتد أمامه السهل واسعاً منبسطاً حتى البحر ،فتقضي الأسرة الصيف كله في وحدة لذيذة ...نجلس قرب بعضنا البعض وتمتد بيننا المسافات وتتسع وكل غارق في أفكاره.لذلك كانت الطبيعة حاضرة في كتاباتي بقوة ،بأربعة فصولها كانت حاضرة ، بأربع جهات رياحها ، ، بكل ما فيها من الأشياء و العناصر

أنت من أسرة قدمت للمجتمع قامات فكرية وأدبية فالجميع لايزال يذكر بجميل الصفات والدك المرحوم ودوره في تربية الأجيال وفي إغناء الشعر وكذلك بقية أفراد الأسرة فماذا عن ذلك كله في نسج موهبتك ورسم خيوطها الأولى 

 

 كان والدي رحمه الله شاعراً ، ولا أحد يعرف ما معنى أن يكون الأب شاعراً سوى أولاد الشعراء ...إذ تغدو للكلمة الحلوة قدسية لا يجوز أن تمس، وللجملة جرس موسيقي غير مسموح  أن يختل ، ويترسخ قلق المعرفة في آلية التفكير نفسها  ، وتأخذ أصغر التفاصيل أبعادا فلسفية كبيرة المدى، فكل شيء ذو معنى عميق وجدوى لا تقدر ،وفي نفس الوقت لا شيء في هذه الدنيا  يستحق التعب أو الأسى أو الأسف  ... ولا نملك نحن البشر من دنيانا سوى اللحظة الراهنة...بمعنى أن العقل يبنى منذ الطفولة المبكرة على قبول التضاد بل حتى التناقض كحقيقة أكيدة من حقائق الحياة.أفقت على بيت ملآن بالكتب والجرائد والمجلات ، وإخوة كبار يقرؤون ،ويوجهون نحو المطالعة والثقافة  ، لكن أبي بالذات لم يوجه أحداً بالكلام ،لم يقل اقرؤوا واكتبوا ..بل كان يقرأ بشغف يغريك بأن تقليديه، ويكتب بنزق حيناً وبصبر حيناً آخر فيغريك أيضاً بخوض تجربة الكتابة .وكما قلت في سؤالك ؛ ثمة إرث أدبي كبير في العائلة ، فالعم والجد ووالد الجد وابن عمه و...كلهم شعراء ، مهما اختلفت مستوياتهم ، هذا الإرث تناقلناه شفاهاً وللأسف ندر المطبوع والموثق منه  ....لكنني أجزم بوجود استعداد وراثي عال في العائلة لتلقي مهارات اللغة ،و تذوق الأدب ، وأكد عليه  أهلنا بالتدريب والتوجيه...وأنت تعرفين أن حصة الموهبة  صغيرة قياساً بحصة الاجتهاد ،هناك من يعطيها 10 % أو 20% في أحسن الأحوال ... لكن لا فن ،لا أدب ، لا إبداع بدون الموهبة ، بدون هذه النسبة مهما تواضعت ...وبالمقابل ؛ لا نجاح لموهبة بلا اجتهاد.

الأديبة الخير تنتمي إلى جيل الورق فهل لازالت مشدودة إلى عالم الكلمة المطبوعة أم أن عالم النت سرقها من عالمها كما سرق الآخرين؟

لا شيء عندي يضاهي الكلمة المطبوعة سحراً...ربما لو كانت ظروف الكهرباء في  البلد ،وظروف الكلمة الإلكترونية أفضل لكنا اعتدنا عليها...فها أنا قد اعتدت على الكتابة مباشرة على الكمبيوتر ،غدت هي الأفضل بالنسبة لي، سعة الخيارات وإمكانية التبديل والتراجع والتدارك والقص واللصق تجعل الأمر أسهل واكثر غنى ...لكن حتى الآن أجدني بعيدة عن الثقافة الإلكترونية ، ولولا الضرورة لا أتعامل معها بالمطلق ...لو تعلمين كم أنا مشتاقة لجريدة الوحدة مثلاً ، تذهب معي من غرفة إلى غرفة ، تستلقي بقربي على الكنبة أو ترقد أمامي على طاولة مكتبي ...أقرأ ما أشاء و أؤجل ما أشاء ....ثم إن هذا الامتلاك الكلي للجريدة بين يديك وملء نظرك شيء يختلف تماماً عن تحريك المؤشر لرفع الأسطر،أو التفتيش عن عناوين ، أو تغيير عنوان للقراءة ....فرق حضاري ،لا أجادل فيه أحداً ...وغداً سوف ترجع الصحافة الورقية بعد عشرين ،ثلاثين عاماً ...لا بد أن ترجع ....وكذلك الكتاب ...فلكل مقام مقال...
أما ما يحصل عل صفحات الفيسبوك من بوح إلكتروني !! فهو يعبر عن حاجتنا للبوح من دون مساءلة ،ويطرح إشارات استفهام كبيرة حول قواعد وأصول التربية في بلادنا ....يبدو أنه لا يهمنا نشر الغسيل بحد ذاته ،ما يهمنا هو الخوف من المحاسبة فقط ، وحيث لا أحد يحاسب أحداً إلكترونياً فلا ضير في قول ونشر الشخصي ،والعائلي ، والعام ،و ما يجوز وما لا يجوز...

 قرأت مجموعتك(أغداً ألقاك ) وهي كتابات دافئة يشعر كل منا أنها جزء منه فأين موقع هذا الكتاب من زينب الخير ؟

تخيلي أنني أتجنب الحديث عن مجموعة "أغداً ألقاك " فقط لأنني أخجل من تقصيري...تخيلي أيضاً أن مجموعتي الثانية جاهزة للطباعة منذ سنتين ، ومعي الموافقات اللازمة، ولكن!!.

ويسعدني أنها تركت هذا الأثر الطيب والجميل عندك وعند القراء...لكن ظروف الحرب ،وغياب إمكانية الوصول إلى القارئ السوري ...ومن ثم القارئ العربي ، عطل همّتي ،وكما أقول لك ، من الأساس أنا مقصرة بحق كتاباتي مثل شعراء عائلتي ...ونعود للموروث العائلي صاغرين...

أنا أكتب يومياً ، وروايتيّ لاتحتاجا إلا للتدقيق ...أسبوع عمل فقط  لكل واحدة منهما ،وأنا أنتظر ، أوأركض في غير اتجاه ...حتى إن بعض الصديقات هدّدن- مازحات بالطبع - بأن يقفلن عليّ باب المكتب حتى أنتهي منهما...

أغداً القاك كتبتها في فترات متباعدة زمنياً ...لكنها تحمل الكثير من سماتي ، فهي بسيطة ، صادقة ، عفوية ...وهذه خيارات لا أتنازل عنها في الحياة ...فالبساطة خيار نهائي بالنسبة لي في العيش  والكتابة والتعامل مع الناس .

كل الأشياء الواضحة والعميقة هي بسيطة جداً ،لا تحتاج أفكاري ولا مشاعري لأن تلتف أو تروح ذات اليمين وذات الشمال كي تقنع القارئ ،أو تنال إعجابه ،أنا أكتب ما أحس وأفهم وأرى ، لذلك يقول لي الأصدقاء ، والقراء العاديون ، وحتى ربات البيوت :إنهم يشعرون وكأنني أكتب عنهم ، عما يفكرون به ، ويرغبون بالتعبيرعنه   ...وهذا ما يشعرني ليس بالرضا فحسب ، بل الانتصار أيضاً ...

 البساطة رصيدي والتعقيد سلاح ضعيف بيد الكاتب في رأيي يلجأ إليه حين تكون الفكرة  في ذهنه غائمة ...ثم إن مهمة الكتابة الأولى هي الوصول للناس ...وبعدها تتجلى تأثيراتها وأدوارها الأخرى....ببساطة ثقتي بقارئي كبيرة لذلك أكتب له ما يشبه البوح ..بوح الأصدقاء .

      

FaceBook  Twitter  

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش