عاجل

 الوحدةأونلاين :- حمادي سمكو-

في تاريخ سابق وتحديداً بـ ( 5/12/2008) أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم (1915) والذي حدد مقدار التعويضات التي تلتزم بها شركات التأمين في حالة الوفاة أو الاصابة وبتفاصيل نادرة الوجود في القرارات الاخرى حيث تم تفصيله ليتناسب مع مقاس أصحاب شركات التأمين الخاصة وطبعاً على حساب المتضررين من حوادث السير وغالبيتهم من الطبقة الفقيرة مخالفاً بذلك المادة (184) من قانون السير و التي تنص بأنه باطل كل أتفاق يلغي أو يحدد المسؤولية المدنية ( مع الإشارة بأن القرار وجد أصلاً لتوضيح قانون السير ). وبحسب المبدأ الوارد في القانون المدني فإن عقد التأمين هو : ( عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال أو ايراداً مرتباً أو أي تعويض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين في العقد وذلك لقاء قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن ) مادة ( 713 ) من القانون المدني السوري . ويعتبر عقد التأمين بحسب التصنيف القانوني الوارد للعقود من عقود الغرر أي من العقود التي تحتمل الربح والخسارة , وقد وردت نصوص التأمين في القانون المدني السوري ضمن باب عقود الغرر إلى جانب المقامرة والرهان والمرتب مدى الحياة . ولكن فيما بعد ؟!! تحول التأمين إلى ربح محض خارجاً بذلك من دائرة عقود الغرر ولولا ذلك لما أقدمت كبرى الشركات الخاصة على الاستثمار في مجال التأمين , وفي سوريا كانت المؤسسة العامة السورية للتأمين ( شركة الضمان سابقاً ) تقوم بأعمال التأمين إلى أن طرح موضوع التأمين للاستثمار وتحولت الشركات الخاصة للتأمين إلى جباية أموال المواطنين السوريين دون خطر الخسارة فأين الغرر في هذا ؟!!

وبعد طرح التأمين للاستثمار فوض قانون السير في مادته ( 198 ) لعام 2004 والمعدلة بالمرسوم التشريعي رقم ( 11 ) لعام 2008 فوض كل من رئيس مجلس الوزراء ووزيري المالية والعدل ورئيس مجلس إدارة هيئة الإشراف على التأمين بإصدار النظام بالتأمين الإلزامي . وبناء على هذا التفويض فقد أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء القرار (1915) تاريخ 12/5/ 2008 والذي تضمن اجحافاً كبيراً بحق المتضررين من حوادث السير ومكافأة كبيرة لكل أصحاب رؤوس الأموال المساهمين في شركات التأمين في سوريا . حيث تضمن هذا القرار مخالفات تتجاهل نصوص القوانين السورية وتضرب بها عرض الحائط نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

1- الفقرة ( ج ) من المادة ( 13 ) من القرار ( 1915 ) والتي نصت : ( لا تصح إقامة الدعوى بمواجهة جهة التأمين فقط بل لا بد من اختصام مالك المركبة ومسبب الضرر للمطالبة بالتعويض الناجم عن الحادث ) . وفي هذه الفقرة مخالفة واضحة وصريحة للمادة ( 170 ) من القانون المدني التي نصت على أنه : ( إذا تعدد المسؤولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر وتكون المسؤولية فيما بينهم بالتساوي إلا اذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض ) . وأحكام التضامن تعني بشكل واضح وصريح أن للمضرور اختصام أي من مسببي الضرر للحصول على كامل التعويض .... ثم يكون لمن دفع الرجوع على شركائه كل بنسبة مسؤوليته . كما أن هذه الفقرة تتناقض مع فقرة أخرى من القرار ( 1915 ) ذاته وهي المادة ( 5 ) في فقرتها الأولى والتي نصها : ( تعتبر كل من جهة التأمين والمؤمن له والسائق مسؤولين بالتضامن والتكافل عن الضرر الذي يلحق بالغير وفق أحكام المادة ( 3 ) من هذا النظام . ولتوضيح هذا التناقض وأثره العملي نطرح المثال التالي : لنفرض أن مواطناً من محافظة الحسكة يملك سيارة ولكنه لا يرغب في العمل عليها ... وعلى هذا فإن مواطناً آخر من إحدى القرى التابعة لحلب يعمل عليها وقامت هذه السيارة بصدم مواطن في محافظة طرطوس ... وبحسب القرار ( 1915 ) يجب على المتضرر اختصام مالك المركبة ومسبب الضرر وهيئة التأمين رغم ما يتطلبه ذلك من جهد ومال ونفقات في درجات التقاضي المختلفة فهل نستطيع أن نتخيل مدى الصعوبة و العرقلة التي سيواجهها المتضرر و وكيله القانوني حتى تكتمل الخصومة من تباليغ و إخطارات و تبليغ قرارات البداية و من ثم استئناف القرار و تباليغ و إخطارات أخرى لمحكمة الاستئناف و تبليغ قرارات الاستئناف و الطعن بالنقض .... وكل هذه التباليغ لكافة الأطراف المالك في الحسكة و السائق في احدى القرى التابعة لحلب و التأمين في دمشق هذا إن اكتملت الخصومة و عادت التباليغ !!. رغم أن الفقرة الاولى من المادة ( 5 ) نصت أن جهة التأمين والمؤمن له والسائق مسؤولين بالتضامن والتكافل . استعراض المخالفة الاولى يقودنا إلى مخالفة ثانية وهي تحديد مقدار التعويض من خلال وضع قيود وحدود مسبقة للتعويض مما يخالف ويتجاهل نص المادة ( 171 ) من القانون المدني التي أعطت حق تقدير التعويض لمحكمة الموضوع بعد أن تأخذ بعين الاعتبار عمر و جنس و مهنة المتوفى أو المصاب و الظروف الموضوعية الأخرى التي تدخل بتقدير التعويض طبقاً لأحكام المادتين (222) و (223) ودون أن يتقيد بأي حد وعلى هذا فإن تحديد المبالغ التي يملكها الحكم بها على هيئة التأمين ينسف نص المادة ( 171 ) ويصادر بشكل كامل حرية القاضي في تقدير التعويض . فالقرار حدد تعويض الوفاة بمبلغ جامد قدره ( 750 ألف ) ل.س سواء كان المتوفى شيخاً طاغياً في السن أو شاباً في مقتبل العمر ومعيلاً لعائلة . وهذا التقدير الجامد فيه اجحافاً بيّن ونقص واضح عن المبالغ التي يحكم بها في كافة دول العالم في حال الوفاة . وبهذا يتحول المبلغ المدفوع إلى رسوم تدفعها مؤسسة التأمين حال تحقق الحادث ولا يبقى تعويضاً بما هو معروف عن التعويض . ومن استعراض ما سبق يتبين أن القرار (1915) قد خالف صريحاً النصوص القانونية رغم أنه يفترض في هذا القرار أن يوضح أحكام قانون السير لا أكثر .... فمن منحه قوةً يلغي بها نصاً قانونياً ؟!! ومن المعلوم أن القانون لا يلغى إلا بقانون ... وان السلطة التنفيذية لا يحق لها إصدار ما يقوم مقام قانون إلا في حالة تفويض من السلطة التشريعية على ألا يتجاوز حدود التفويض . وهذا يعيدنا إلى المثل القائل ( يا فرعون من فرعنك ) . ورغم هذه المخالفات ورغم التجاوزات فقد صدر تعميم عن السيد وزير العدل يطلب فيه من القضاة التقيد بأحكام القرار (1915) ويلوح بسلاح التفتيش القضائي في حال المخالفة ... مما أثار العديد من التساؤلات ؟؟.. وعلى الرغم من كل مساوئ ومخالفات هذا القرار وعلى فرض التسليم به فإنه ينطوي على ناحية اقتصادية غير معقولة فهل يعقل أن يراعي التعويض المحكوم به تغير سعر السوق عند إصلاح السيارات في حين لا يراعيها عند علاج البشر ؟!!!.. أو التعويض عليهم . وهل يجوز إهمال التضخم الاقتصادي الذي يصيب العملة عاماً بعد عام ؟ فعلى فرض التسليم بهذا القرار كان على مصدره إما ربط التعويض بعمله ثابتة كالدولار أو الذهب أو إعادة النظر في موضوع التعويض كل سنتين فرضاً . والجدير بالذكر أن هذا القرار قد أرق مضاجع رجال القضاء في سوريا وليس أدل على ذلك من حزمة الاجتهادات التي تعارضت مع هذا القرار والتي نذكر منها ما يلي :

اقتباس رقم -1-

حيث أن من حق المضرور مداعاة أي واحد من المسؤولين المتضامنين عن تعويض الضرر الذي أصابه سنداً لأحكام المادة (285) مدني وحيث أن القرار الوزاري رقم (1915) لعام 2008 لم يعدل أحكام التضامن الواردة في القانون المدني وأحكام التدخل والإدخال الواردة بقانون اصول المحاكمات كما أن القرار لا يلغي القانون . وحيث أن مخاصمة جهة التأمين منفردة للمطالبة بالتعويض لا يجعل الخصومة معتلة وغير صحيحة مادامت جهة التأمين ملزمة بالتعويض في حدود ما هو وارد بالقرار (1915) استقلالاً كطرف متضامن في التعويض . نقض مدني 2452/ 2010 – قرار 3267 تاريخ 27/7/2010

2- 2-حقوق مؤسسة التأمين تجاه المالك والسائق مضمونة بشروط عقد التأمين وأحكام قانون السير ولا وجه لإدخالها بدعوى المضرور لهذا السبب . أيضاً نقد مدني 1046 قرار 961 تاريخ 14/3/2010

3- 3-وجود شرط في عقد التأمين فيه تحديد مسؤولية المبلغ الواجب دفعه كتعويض مخالف للقانون وللمواد 207/208 من قانون السير والمادة 716 من القانون المدني وهو شرط باطل وتعسفي وجب إهماله . نقض مدني 62/2010 قرار 24 تاريخ 24/1/2010... انتهى الاقتباس
وربما كان هذا الاجتهاد هو ما يجب فعلاً التوقف عنده فشركات التأمين الخاصة حولت عقد التأمين من عقد يصنف ضمن عقود الغرر إلى عقد يصنف ضمن عقود الإذعان . وبالمناقشة المنطقية القانونية فإن أي غموض في عقد الإذعان يفسر لمصلحة المذعن ( الطرف الضعيف اقتصادياً ) مما يفهم معه افتراض التضامن حتماً بين السائق والمالك وشركة التأمين . كما يقترض أن يكون للمحكمة سلطة تقديرية أعلى وأكبر في حالة وجود الشروط التعسفية في عقود الإذعان . ولكل ما سبق : فإن هذا الموضوع يحتاج إلى حل جذري وقد تكون بدايته بسحب وإلغاء التعميم الصادر عن وزير العدل يطلب فيه من القضاة الالتزام بالقرار (1915) ثم إعادة النظر في هذا القرار وإلغائه مراعاةً للإنسانية والقانون وتشكيل لجنة مؤلفة من قضاة ومحامين وأطباء وخبراء سير من النقابات المعنية وذلك للتحقيق في كيفية فرض هكذا قانون وإلزام القضاة في المحافظات وفي محكمة النقض لتطبيقه تحت تحت طائلة المسائلة المسلكية ..؟!! ليصار إلى معاقبة مرتكبي الاختراق الواضح لقوانين الجمهورية العربية السورية .

افتتاحية الصحيفة

شباك بحري

روافد

لفت نظر

فلاش